كتب: صهيب شمس
واشنطن – في منتصف يوم عمل يسبق الظهور الإعلامي، كان فاتح بيرول، الاقتصادي التركي المختص بالطاقة، يجلس في غرفته بفندق يراجع أمامه روشتة يومه: بيضتان مسلوقتان وموزة أمام جهازه الحاسوبي. بيرول بقيادته للوكالة الدولية للطاقة (IEA) تعني أن الوكالة، التي ظلت لسنوات تقبع في ظل مؤسسات عالمية أخرى، دخلت نفقاً من التأثير السياسي الحاد. فقبل ساعات من لقائه المرتقب مع كريس رايت، وزير الطاقة الأميركي، تعرّضت الوكالة لهجوم من جانب إدارة ترامب الذي وصف تقاريرها حول اتجاه الطلب العالمي على الوقود الأحفوري بأنها “عبثية” لأنها تتوقع انحداراً قريباً في هذا الطلب. للجمهوريين تهديدات بخفض التمويل الأميركي الكبير للوكالة إذا لم تغيّر موقفها. ومع هذه التطورات، يتضح معنى ما بلغه عمل الوكالة في العقد الأخير، خصوصاً أمام لقاء عالي المستوى يعكس صعود النفوذ الذي حققه بيرول.
نفوذ الوكالة الدولية للطاقة في السياسة العالمية
يُعد وجود بيرول في واشنطن رسماً بيانياً لكيفية أن الوكالة الدولية للطاقة أصبحت طرفاً مؤثراً في سياسات الطاقة العالمية. فهذه المؤسسة التي تأسست من أجل تقييم إمدادات النفط والتنسيق بين الدول خلال أزمات الطاقة تحولت إلى جهة تُستشهد بتقاريرها من قِبل مسؤولي الدول الكبرى، رغم الجدل الذي تثيره تقاريرها بين الداعمين للوقود الأحفوري والمعارضين لسياسات المناخ. اللقاء مع رايت، رغم كونه جزءاً من روتين ديبلوماسي، يوحي بأن العلاقة بين الوكالة والحكومة الأميركية في مستوى أعلى مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
قبل نحو عشر سنوات، قال بيرول إنه كان من الممكن أن يلتقي مع مساعد مساعد لوزير الطاقة، أما اليوم فالتفاعل يصل إلى قمة الهرم في واشنطن. يعكس هذا التغير في المكانة مدى الثقل الذي اكتسبته الوكالة بفضل البيانات والتقارير التي تصدرها باستمرار. وفي سياق هذا الواقع، يطلق بيرول طيفاً من التحديات والانتقادات التي ترد عليه من مختلف الأطراف، لكنه يستمر في عمله بهدوء يقول إن “البيانات هي السبب في وجودنا، والبيانات هي التي تفوز في النهاية”.
رؤية البيانات وتوقعات الطاقة
يرى بيرول أن البيانات ليست مجرد أداة تحليلية، بل هي اللبنة الأساسية للنهج الذي تقوده الوكالة. فبينما تتباين وجهات النظر بشأن جدوى توقعات الطاقة، يصرّ على أن المعرفة المستمدة من البيانات تقود الاستثمار وتضغط في الأسواق وتؤثر في السياسات الاقتصادية والبيئية على حد سواء. وفي إطار عمله، تقود الوكالة إلى وضع مسارات بديلة يمكن أن يتبعها العالم في استهلاك الطاقة واستخدامها، وتقدم خططاً ممكنة للوصول إلى تلك المسارات.
مع صعود الطاقة الشمسية وتوسع دور الغاز الطبيعي والتقنيات المرتبطة به، تفيد تقارير الوكالة بأن الدول تُظهر رغبة أقوى في ربط النمو الاقتصادي بالتزاماتها المناخية. كما وضعت الوكالة سيناريو صافي انبعاثات صفرية يتضمن 400 علامة يمكن بلوغها، بهدف توضيح المسارات المحتملة للوصول إلى الحياد الكربوني. وفي إطار ذلك، شدد بيرول على أن الوكالة لا تملي خطة عمل، لكنها ترسم خيارات وبدائل قد تتحول إلى واقع في حال اتباع الدول سياساتها.
تاريخ وتطور الوكالة ومسارها السياسي
تأسست الوكالة الدولية للطاقة في عقد السبعينيات، بتوجيه من هنري كيسنجر، حين كان الهدف الرئيس الإشراف على الإمدادات العالمية من النفط وتنسيق الجهود بين الدول لتجنّب أزمات الطاقة. جاء ذلك في سياق أزمة أُعِدت من قِبل مجموعة من الدول النفطية العربية التي قررت وقف صادرات النفط إلى الولايات المتحدة وعدة دول أخرى في 1973، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وركود اقتصادي واسع النطاق. كان بيرول حينها طالباً في فيينا، حيث تحوّل من دراما السينما إلى عالم الاقتصاد الطاقي، فترك العمل في سوق فواكه وخضار أثناء دراسته ليتدرّب كمحلل بيانات في أوبك ثم ليكتب فصلاً في مساره المهني عند الانتقال إلى الوكالة، ليُنتَخب مديراً تنفيذياً في 2015. تغير مسار الوكالة مع قيادته، فخرجت من عبء النظر إلى النفط فحسب لتتجاوز ذلك لتلعب دوراً في كيفية تزويد المركبات بالشاحنات والبيئات الرقمية ومراكز البيانات بالصحة الطاقية. كما قاد تحولات منهجية في التوقعات، فبدلاً من الاعتماد فقط على سيناريوهات النمو المستمر، اعتمدت الوكالة سيناريوهات ترتكز على السياسات المحتملة التي قد تنتهجها الدول، مع الأخذ في الاعتبار التزاماتها في خفض الانبعاثات. في خطوة مهمة أيضاً، أُنشئ سيناريو صافي الانبعاثات الصفرية مع 400 علامة، وتبنّت الوكالة هدفاً عاماً بوقف الاستثمار في مشاريع جديدة للفحم والنفط والغاز، وهو ما أصبح شعاراً لجزء من حركة المناخ العالمية، رغم أن بيرول أكد لاحقاً أن الوكالة لا تدعو إلى اتفاق محدد أو خطة عمل جاهزة، بل توفر خطوط توجيهية لمسارات محتملة فقط. وبمرور السنوات، زادت الأهمية والتأثير الذي تحظى به الوكالة، حتى أنها أصبحت جهة يلتزم بها المجتمع الدولي في العديد من القضايا التي تخص الطاقة والسياسة المناخية. ورغم الجدل حول دقة بعض توقعاتها، ظل بيرول يحظى بشعبية واسعة داخل أوساط السياسة والطاقة والبيئة، وهو أمر انعكس في إعادة تعيينه من قبل الدول الأعضاء لولاية ثالثة مدتها أربع سنوات تنتهي في 2027، مع توسع حجم الوكالة بشكل مضاعف خلال تلك الفترة. كما يذكر أن أكثر من ألف طالب عمل من مختلف الدول تقدموا بطلبات وظيفة في الوكالة خلال فترات سابقة، وهو ما يعكس الإقبال الهائل على هذا النوع من العمل المهني في مجال تحليل البيانات والطاقة. وبالنظر إلى سياق العلاقات الدولية، عادت الوكالة إلى طرح سيناريوهاتها الأصلية حول السياسات الحالية لتكون إضافة إلى الوجهات الأخرى، بينما تستعد لإصدار تقريرPerspectives energétiques mondiales هذا الأسبوع، ليبقى السؤال قائماً عما إذا كان العالم سيكون قادراً على تطبيق مسارات الطاقة الجديدة التي تقترحها الوكالة. يضيف بيرول قائلاً: “أنا هنا لتفكير الناس في المستقبل، ولتمكينهم من تخيل ذلك المستقبل بطريقة حقيقية؛ فالتغير المناخي مثال جيد على ذلك: الناس ينتبهون دائماً عندما تكون هناك كارثة، لكننا بحاجة إلى خطة عملية لمواجهته.”
توسع الهند والبرازيل كعضوين جديدين في الوكالة
هذا العام يستقبل المجلس مفاجأتين مهمتين باقتراح أعضائهما؛ الهند والبرازيل. فقد أفادت مصادر رئاسية بأن الهند ستنضم إلى الوكالة كعضو، وهو ما يعزز الدور الهندي في سوق الطاقة العالمي وتوازن النمو الاقتصادي مع التزامات الحد من الانبعاثات. قال جاواد أشراف، السفير الهندي في فرنسا خلال الفترة من 2020 حتى 2024، إن توقعات الوكالة ستكون أكثر أهمية للدول التي تحاول موازنة النمو مع التزاماتها المناخية. وأضاف أن بيرول يطبق المنهج ذاته الذي يحاكي به البيانات والنموذجية للوصول إلى نتائج دقيقة على مستوى قطاعي واقتصادي، وهو ما يجعل من توقعاته أكثر دلالة من بعض المفاوضات الدولية. كما أشار إلى أن الوكالة لا تفرض حلاً بل توضح ليس فقط النتائج المحتملة، بل أيضاً المسافة التي يجب قطعها من أجل تحقيق أهداف المناخ، وهو ما يجعل الوكالة أقرب إلى الواقع من كونه مجرد مُحدِّد سياسات. وتدفع هذه الخطوات البناءة نحو توسيع دور الوكالة كمرجع عالمي في مسار الطاقة والمناخ، وهو تطور يؤشر إلى أن الهند والبرازيل سيكونان جزءاً من إطار عمل يهدف إلى رسم ملامح عالم الطاقة خلال العقد القادم.
المستقبل والتحديات المناخية وتواصل الوكالة مع قيادات العالم
يؤكد بيرول أن الوكالة لا تملي سياسات، لكنها تقدم تحذيرات وتنبؤات قائمة على بيانات دقيقة، وهو ما يسلط الضوء على حساسية العلاقة بين العلم والقرار السياسي. ورغم أن واشنطن مارست ضغوطاً في بعض الأوقات، فإنها لم تفرض بعد عقوبات فعلية ضد الوكالة، وهو ما يعكس تقدرَها كمرجع دولي مستقل في ملف الطاقة والمناخ. وبينما تسعى الوكالة إلى توسيع عضويتها وتحديث تقاريرها السنوية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستتمكن الدول من تبنّي مسارات الطاقة الجديدة كما تقترحها الوكالة في ظل مصالح اقتصادية وسياسية متداخلة؟ يظل جواب بيرول واضحاً بنفسه: “البيانات تقودنا إلى الصورة الأوضح دائماً، والتخطيط للمستقبل يتطلب قراءة دقيقة للمسارات والاحتمالات.” وهذه الرسالة تظل محوراً حيوياً في نقاشات الطاقة العالمية، خاصة مع وجود الهند والبرازيل كعضوين مرتقبين يضيفان طبقة جديدة من التعقيد والفرص على نحو ما.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.