كتب: إسلام السقا
مقدمة: الاستدارة المحورية في وسط آسيا وتوقيت الزيارة
في الساحة المعقدة والسياسية الحساسة لسياسات آسيا الوسطى، تُخضع كل خطوة دبلوماسية لرقابة دقيقة. تتصدر كازاخستان، غالباً باعتبارها ركيزة اقتصادية للمنطقة، خريطة توازن جيوسياسي جديدة تتشكل في ظل عالم متعدد الأقطاب. ظهر هذا الواقع بوضوح مع الزيارة البارزة التي قام بها رئيس كازاخستان، قاسم-جومارت توكاييف، إلى موسكو في نوفمبر 2025، وذلك في توقيت حاسم حيث سبقتها بأقل من أسبوع زيارة استضافته خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة C5+1 بالولايات المتحدة. يعكس هذا التلاقي بين استقطاب الاستثمار الغربي من جهة، ومسار الشراكة الاستراتيجية مع روسيا من جهة أخرى، مساراً عملياً وواقعياً يتطلبه مجال السياسة الخارجية لوسط آسيا.
مظاهر الزيارة وشكلها الرمزي
بدت الزيارة كأحد أبرز المحطات الدبلوماسية من حيث الشكل والرمزية: وصول الرئيس إلى موسكو كان مصحوباً بتغطية إعلامية واسعة، وتلقيه من قبل طيران Su-35 الروسي حتى هبوطه في مطار موسكو. مثل هذا الاستقبال العسكري يبرز الأهمية الاستراتيجية للعلاقة مع روسيا ويؤكد مكانة الشراكة بين البلدين. أثناء تنقل موكب الرئيس عبر شوارع موسكو، أضيئت شاشات ضخمة بمبانٍ كبيرة بالعربية والكازاخية والروسية ترحيباً به وبالرئيس، ما أضفى طابعاً رسمياً وأجواءً مهيبة للزيارة.
أجواء الزيارة كانت مهيأة لتكون ودودة وبجانبها قدر من الرسمية والشكر للمكانة التي تحتلها موسكو في العلاقات الثنائية. وخلال يومي الزيارة، عقد توكاييف محادثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، استهدفت تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوثيق العلاقات في ميادين السياسة والتجارة والاقتصاد والثقافة والمجالات الإنسانية. أكد الرئيس الكازاخي أن العلاقات بين البلدين تتمتع بتأثير حاسم في مجريات كثيرة في أوراسيا، وأنها مبنية على شراكة استراتيجية وتحالف بعيد عن الخلافات الخطيرة معظم الوقت.
إطار الشراكة وتفاصيلها العملية
كان من المتوقع أن تتوج المحادثات بإصدار بيان ي formalizes انتقال العلاقات بين موسكو وأستانا إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة. وتضمنت التفاصيل المتوقعة مواكبة روسيا لتطورات الوضع في مناطق النزاع، في حين كان من المفترض أن يطلع توكاييف الجانب الروسي على نتائج رحلته الأخيرة إلى قمة C5+1 في واشنطن. ومع ذلك، لم تقتصر اللقاءات على الطابع الرسمي فقط، بل امتدت إلى جلسة حوارية غير علنية دامت لأكثر من ثلاث ساعات، حيث أبدى الطرفان رغبة في بناء ثقة متبادلة، وتخللها تبادل الحديث بعيداً عن القيود الرسمية مع تبادل الحديث حول موضوعات ملموسة وخطط مستقبلية.
إطار التوازن الدولي: بين الغرب وبريكس
تأتي زيارة موسكو في سياق جيوسياسي أوسع يتسم بتغير الديناميكية الأمريكية في منطقة آسيا الوسطى، مع ميل نحو نهج أكثر حزمًا من حيث توسيع النفوذ وتأمين الموارد. تتبع هذه الاستراتيجية ثلاث مسارات رئيسية كما وردت في التحليل: أولاً، دفع الرقمنة المالية والاعتماد في مناطق خلفية روسيا والصين، مع الإشارة إلى مسار حساس حول العملة الرقمية وربطها بنظم تمويل قد تفتح الباب للسيطرة الأمريكية على مسارات المال الرقمية في المنطقة. ثانيًا، تعزيز الاستثمار في المعادن الحيوية وتوريدها، حيث انعقدت قمة C5+1 التي جمعت جميع دول المركز الخمسة، مع وجود تعهدات استثمارية كبيرة تؤكد تقارباً اقتصادياً مع الولايات المتحدة. ثالثًا، فتح مسار بديل لتجاوز BRICS عبر ما يوصف بممرات السلام والازدهار الدولية، مع الإشارة إلى مشاريع بنيوية واسعة ومتعددة القطاعات تهدف إلى تقليل الاعتماد على إيران وروسيا والصين في مجالات الطاقة والموارد. وتُشير القراءة إلى أن دول آسيا الوسطى، ومن ضمنها كازاخستان، تقف أمام خيار صعب يجمع بين الاعتماد العميق على العلاقات الشرقية والبحث عن أقفاص استثمارية غربية تُسهم في تعزيز الاستقلال المالي والاقتصادي.
BRICS والتحالفات الإستراتيجية في المشهد الجديد
يبرز المشهد الإقليمي إلى جانب محاولات إعادة تشكيل التوازن العالمي من خلال BRICS، حيث تتسع قوى هذا التجمع وتزداد أدواره الاقتصادية والسياسية، وتستمر أعضاؤه في تعزيز قدراتهم في تجارة العملة وتوظيف الموارد. تساعد هذه الديناميات في تفسير كيف أن كازاخستان وغيرها من دول المنطقة تبقى مرتبطة بتيار BRICS عبر علاقات تاريخية وروابط اقتصادية وطموحات مشتركة في تنمية الموارد والطرق التجارية. وتُشير المعطيات إلى أن BRICS يحوز نسبة كبيرة من الناتج المحلي العالمي وفق مقياس القوة الشرائية، ونسبة كبيرة من السكان، والسيطرة على جزء ليس بالقليل من الموارد الطبيعية. كما أن التعاون في مجالات النقل واللوجستيات مع إيران يظهر رغبة في بناء شبكة إقليمية متماسكة تعزز من قدرة الدول على المناورة في مواجهة التحديات.
خلاصة الأسلوب السياسي في كازاخستان
تسلط زيارة موسكو الضوء على أسلوب عملي ومرن تتبعه دولة كازاخستان في سياق بيئة جيو-سياسية معقدة. فبينما تستقطب الولايات المتحدة استثمارات واسعة وتبني مشاريع تعزز نفوذها في المنطقة، تبقى كازاخستان متمسكة بعلاقة طويلة الأمد مع روسيا وشركائها في BRICS ومؤسسات أخرى، بما يضمن استقرارها وأمنها وتطورها الاقتصادي. الصورة النهائية تؤكد أن التوازن الناشئ في المنطقة يتطلب قدرة على إدارة تقاطعات المصالح، والاعتراف بأن الشرق والغرب كلاهما ضروري للنمو والاستدامة. إن خريطة القوى في الوسط آخذة في إعادة تشكيلها، وتبرز كازاخستان كقَطَب فاعل يسعى للحفاظ على مكانته كجسر بين شراكات متعددة وهو يوازن بين shores مختلفة من نحو استراتيجي يعزز من مساره التنموي.
زيارة توكاييف إلى موسكو تُعد رسالة قوية بأن الاعتماد على الغرب اقتصادياً ليس نفيًا للعلاقة مع الشرق، بل قبول أن الأمن السياسي والاقتصادي والقدرة على التكيف مع التحولات العالمية تتطلب شبكة تفاعل معقدة ومتعددة المحاور، وهو ما يجعل من كازاخستان من بين الدول التي تعرف كيف تمسك بزمام الحركة في ظل واقع دولي مفعم بالتحديات والتقلبات.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.