يواجه سوق النفط العالمي أزمة غير معتادة، فبينما يحوم خام برنت قرب 116 دولاراً للبرميل، تكمن المشكلة الحقيقية ليس في نقص الخام بل في شح حاد في الوقود المكرر، خصوصاً الديزل، ما أضاف ما يقدر بنحو 27 دولاراً "علاوة مخاوف" إلى سعر كل برميل.
إمدادات الخام تتدفق لكن المصافي معطلة
رغم إغلاق مضيق هرمز، تواصل ناقلات نقل الخام من الخليج، إذ بلغت التدفقات عبر الممر 10.9 ملايين برميل يومياً في سبتمبر، مدعومة بعمليات نقل من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان، إضافة إلى 5.6 ملايين برميل يومياً عبر خطوط أنابيب السعودية والإمارات التي تتجاوز المضيق. غير أن تكلفة الشحن قفزت بنحو 20 دولاراً للبرميل خلال عام، 75% منها بسبب إعادة توجيه الإمدادات.
على صعيد الإنتاج، تقدر وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج الخليج في سبتمبر بلغ 75% فقط من مستواه قبل الحرب، ولا يتوقع خبراء تجاوزه 85% دون اتفاق سلام دائم. كما تعرض خط أنابيب شرق-غرب السعودي لهجوم بطائرات مسيرة في 11 سبتمبر وأغلق 11 يوماً.
مخزونات عالمية عند أدنى مستوى منذ 2016
انخفضت المخزونات العالمية بنحو 509 ملايين برميل منذ نهاية فبراير، وسجلت المخزونات البرية أدنى مستوياتها منذ 2016 على الأقل. تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية استمرار التراجع حتى نهاية العام. اتساع فجوة الأسعار بين التسليم القريب والآجل (backwardation) بلغ نحو 5 دولارات للبرميل، وهي أوسع من 99% من القراءات منذ 1990.
قدر غولدمان ساكس أن نحو 27 دولاراً من سعر برنت (نحو ربعه) تعكس مخاوف تصعيد مستقبلي لا نقصاً فعلياً، إذ كان الإنتاج العالمي في سبتمبر يوازي الاستهلاك تقريباً. إطلاق دول مجموعة السبع 100 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لم يحرك الأسعار كثيراً، فيما لعبت الصين دوراً أكبر بسحبها من مخزونها الضخم (1.2 مليار برميل) وخفض وارداتها 5.4 ملايين برميل يومياً حتى يونيو، ما عوض أثر إطلاق الاحتياطيات الغربية.
أزمة المصافي: الديزل في قلب العاصفة
المصافي العملاقة المصدرة في الكويت وعُمان والسعودية تعرضت لأضرار مادية، أبرزها مصفاة جازان السعودية (400 ألف برميل يومياً) التي أغلقت في يوليو بعد هجوم حوثي. حتى المصافي السليمة خفضت التشغيل لأن خزاناتها امتلأت بتعذر شحن المنتجات عبر هرمز. انخفضت معالجة مصافي الشرق الأوسط من 9.9 ملايين برميل يومياً في فبراير إلى 7.3 ملايين في أغسطس.
المنتجات المكررة (ديزل، وقود طائرات، زيت تدفئة) أصعب نقلاً من الخام؛ لا تمر في خطوط أنابيب الخام، ونقلها من سفينة إلى أخرى أعقد لكونها أكثر قابلية للاشتعال. نتيجة لذلك، تعافى تصدير الخام بينما ظل تصدير الوقود منخفضاً بأقل من النصف وفق تقديرات غولدمان.
روسيا والصين تكبحان الصادرات
ضربات طائرات مسيرة أوكرانية على المصافي الروسية، وحظر موسكو تصدير الديزل منذ يوليو، قلصا الإمدادات. اتفاق أُعلن في 9 أكتوبر يسمح بتصدير 2.25 مليون برميل ديزل فورياً، ثم 3.75 ملايين في نوفمبر، و7.5 ملايين لاحقاً، لكن الاستهلاك العالمي اليومي نحو 28.7 مليون برميل، فالصفقة تغطي أقل من نصف يوم. الصين، صاحبة الطاقة التكريرية الفائضة الوحيدة، أوقفت صادرات الوقود لأول أسبوع في أكتوبر، مفضلة تلبية طلبها المحلي.
صدمة ديزل وأسعار متباعدة
المصافي المتوقفة في روسيا والخليج تعمل على خامات ثقيلة غنية بالديزل، لذا كانت الأزمة بالأساس صدمة ديزل. بينما تراجعت أسعار البنزين في أمريكا لخمسة أسابيع، واصل الديزل الصعود. هوامش تكرير الديزل (cracks) قفزت إلى 50-70 دولاراً للبرميل مقابل متوسط طويل الأجل 16 دولاراً. بدأت المصافي تحويل الإنتاج من البنزين إلى الديزل ووقود الطائرات، ما قد يشد سوق البنزين لاحقاً.
الهند بين مطرقة الاستيراد وسندان التسعير
قفزت فاتورة واردات الهند النفطية 46.4% إلى 90.6 مليار دولار بين أبريل وسبتمبر. شركات التوزيع الحكومية (إنديان أويل، بي بي سي إل، إتش بي سي إل) تخسر 8-9 روبيات على كل لتر ديزل وبنزين رغم خفض الرسوم ورفع أسعار المضخات، وبدأت تمزج البيوديزل لتقليل الخسارة. بالمقابل، تحقق المصافي الخاصة (ريلاينس، نايارا) هوامش تصدير قياسية، وخفضت الحكومة ضريبة الأرباح الاستثنائية على صادرات الديزل لشهر أكتوبر.
العقود الآجلة تراهن على أزمة مؤقتة
العقود الآجلة لبرنت للتسليم القريب فوق 100 دولار، لكن عقود 2028-2030 حول 63-70 دولاراً، ما يشير لتوقع الأسواق استمرار الأزمة سنة أو سنتين لا عصر نفط دائم الغلاء. البنك الدولي يتوقع انكماش الطلب العالمي 2.6 مليون برميل يومياً في 2026 بسبب ارتفاع الأسعار. تظل أسعار الديزل المقياس الأدق للأزمة، إذ تعكس ضرراً حدث بالفعل، ولا تتوقع كبلر عودة مصافي الخليج لمستويات ما قبل الحرب قبل منتصف 2027.



