تتسارع إعادة هيكلة صناعة البتروكيماويات الأوروبية تحت ضغط ارتفاع تكاليف الطاقة واللقيم وضعف الطلب وتصاعد المنافسة العالمية، ما دفع شركات كبرى إلى خفض الإنتاج أو إغلاق أصول صناعية. وبلغ متوسط أسعار الغاز في أوروبا خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026 نحو 3.3 أمثال مستوياته في الولايات المتحدة، بحسب المجلس الأوروبي للصناعات الكيميائية "سيفيك"، فيما ظل معدل تشغيل القدرات الكيميائية في الاتحاد الأوروبي عند مستويات منخفضة تاريخياً تراوحت بين 74% و75%.
37 مليون طن طاقات معلن إغلاقها منذ 2022
وفقاً لتقرير أعدته شركة رولاند برجر بتكليف من "سيفيك"، بلغ إجمالي الطاقة الإنتاجية التي أعلن إغلاقها في صناعة الكيماويات الأوروبية بين 2022 ونهاية 2025 نحو 37 مليون طن سنوياً، بما يعادل قرابة 9% من الطاقة الكيميائية الأوروبية. واستحوذت البتروكيماويات على 17.8 مليون طن، أو 48%، من الطاقات المعلن إغلاقها، تلتها الكيماويات غير العضوية الأساسية بنحو 11.7 مليون طن، ثم البوليمرات بـ 5.4 مليون طن، والكيماويات المتخصصة بنحو مليوني طن.
ومن أبرز عمليات الإغلاق: وحدة تكسير إكسون موبيل في غرافنشون بفرنسا (425 ألف طن إيثيلين سنوياً) أغلقت في 2024، ووحدة سابك في جيلين بهولندا (550 ألف طن) أغلقت في 2024، ووحدتا إيني في برينديزي وبريولو بإيطاليا (410 و430 ألف طن) أغلقتا في 2025، ووحدة داو في بوهلين بألمانيا (540 ألف طن) مقرر إغلاقها أواخر 2027، وأقدم وحدة تكسير لتوتال إنرجيز في أنتويرب ببلجيكا (550-580 ألف طن) مقرر إغلاقها بنهاية 2027.
إينيوس تجمد وحدات الأسيتيالت في بريطانيا
في سبتمبر 2026، قررت إينيوس تجميد وحداتها الثلاث لإنتاج الأسيتيالت في هال ببريطانيا، بطاقة سنوية تبلغ 500 ألف طن حمض أسيتيك، و150 ألف طن أنهيدريد أسيتيك، و200 ألف طن أسيتات إيثيل. وعزت الشركة القرار إلى بلوغ أسعار الغاز في أوروبا نحو 12 مرة مستوياتها في الولايات المتحدة. وتختلف هذه الحالة عن الإغلاقات النهائية، إذ وضعت الشركة الوحدات في حالة توقف حتى إشعار آخر، ما يعني إمكانية عودتها للإنتاج إذا تحسنت اقتصاديات التشغيل.
ضعف الطلب يحد من تحول الإغلاقات إلى فرص تصديرية
تتزامن عمليات الإغلاق مع ضعف الطلب الأوروبي، ما يحد من تحول تراجع الإنتاج المحلي مباشرة إلى واردات إضافية. وبحسب بيانات "سيفيك"، انخفضت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من المنتجات الكيميائية خلال الربع الأول 2026 بنسبة 15.7% على أساس سنوي، وتراجعت الصادرات 12.4%. وخلال النصف الأول، تقلصت وتيرة الانخفاض إلى 5.9% للواردات و6.3% للصادرات، فيما انخفضت أحجام الواردات 12% والصادرات 6%. واستمر الاتجاه خلال يناير-يوليو 2026 بتراجع قيمة الواردات 3.1% والصادرات 4.2%.
مشتقات الإيثيلين.. الفرصة الأبرز للخليج
يرى محللون أن الفرصة أمام المنتجين السعوديين والخليجيين تتركز بصورة أكبر في مشتقات الإيثيلين وعلى رأسها البولي إيثيلين. وقال جاي باتل، خبير الاقتصاد الصناعي في أكسفورد إيكونوميكس، إن هناك فرصة أمام المنتجين السعوديين، لكنها أضيق وأبطأ مما توحي به أرقام الإغلاقات المعلنة، متوقعاً أن تظهر المكاسب بصورة أساسية في البولي إيثيلين، وبدرجة أقل في البولي بروبيلين والميثانول.
واتفق جو الدويهي، الخبير الاقتصادي في Coface، مشيراً إلى أن منتجي الخليج يستفيدون من انخفاض تكلفة الإيثان، مقدراً تكلفة إنتاج الإيثيلين لديهم بنحو ربع إلى ثلث التكلفة الأوروبية. وأضاف أن الموردين الخليجيين استحوذوا خلال السنوات الأخيرة على نحو ربع واردات أوروبا من البولي إيثيلين، لكنهم لن يستحوذوا على كامل الحصة التي تتركها الطاقات الأوروبية الخارجة، في ظل منافسة قوية من المنتجين الأمريكيين الذين يستفيدون بدورهم من الإيثان منخفض التكلفة.
فرصة أقل في البولي بروبيلين والعطريات
أشار الدويهي إلى أن الفرصة تبدو أقل وضوحاً في البولي بروبيلين والعطريات والمنتجات اللاحقة، نظراً إلى أن الاعتماد على الإيثان لا ينتج كميات كبيرة من البروبيلين أو العطريات. وأوضح أن دول الخليج طورت قدراتها في البولي بروبيلين من خلال وحدات نزع الهيدروجين من البروبان (PDH)، إلا أن ميزة التكلفة في هذه المنتجات ليست بقوة الميزة الموجودة في الإيثيلين ومشتقاته، كما أن المنتجين الآسيويين يمثلون منافساً قوياً في هذه الأسواق.
الشحن والمنافسة الأمريكية.. قيود رئيسية
يرى باتل أن الشحن يمثل حالياً أحد أبرز القيود على قدرة المنتجين السعوديين على الاستفادة من إغلاق المصانع الأوروبية، مشيراً إلى أن الاضطرابات في مضيق هرمز ومسارات البحر الأحمر تحد من قدرة المنتجين على إيصال الكميات إلى أوروبا بصورة مستقرة. واتفق الدويهي على أن الاضطرابات في مضيق هرمز تحد في الأجل القصير من قدرة المنتجين الخليجيين على الاستفادة الكاملة.
وأضاف باتل أن فارق التكلفة يظل عاملاً رئيسياً، إذ تتحسن قدرة المنتج السعودي على المنافسة عندما تكون ميزته مقارنة بالمنتجين الأوروبيين المعتمدين على النافثا كافية لتغطية تكاليف الشحن إلى أوروبا. وتمثل المنافسة الأمريكية التحدي الأبرز، إلى جانب المنافسة الآسيوية، خصوصاً مع استمرار الطاقات الفائضة في الصين.
تعافي البناء والسيارات شرط لزيادة الواردات
قال الدويهي إن انخفاض الطاقة الإنتاجية الأوروبية لن يتحول تلقائياً إلى زيادة في صادرات الخليج، وإن الاستفادة الملموسة تتطلب تعافي الطلب من الصناعات الأوروبية اللاحقة، خصوصاً قطاعي البناء والسيارات. وأشار إلى أن أي اضطراب في الإمدادات الأمريكية أو الصينية قد يعزز موقع المنتجين الخليجيين في السوق الأوروبية.
المنتجات الأعلى قيمة طريق لتحسين الهوامش
أكد الدويهي أن تحسين الهوامش يتطلب التحرك بصورة أكبر نحو المنتجات المتخصصة وعالية القيمة والموجهة إلى تطبيقات صناعية محددة. ولفت إلى أن إنتاجاً إقليمياً موجود بالفعل في مجالات مثل البولي يوريثان وMDI لدى شركات مثل سابك وصدارة، إلا أنه يظل محدوداً مقارنة بحجم قاعدة البتروكيماويات الأساسية في المنطقة.
أوروبا نحو اعتماد هيكلي على الواردات
توقع الدويهي أن تصبح أوروبا أكثر اعتماداً بصورة هيكلية على واردات البتروكيماويات خلال السنوات المقبلة، وإن كان ضعف الطلب قد يؤخر ظهور هذا التحول في الأجل القصير. وأضاف أن إعادة بناء طاقات كبيرة للمنتجات السلعية في أوروبا قد لا تكون مجدية اقتصادياً في ظل هيكل التكلفة الحالي، ما يرجح أن تتجه الصناعة الأوروبية بصورة أكبر إلى المنتجات المتخصصة وذات القيمة الأعلى، مقابل اعتماد أكبر على استيراد المنتجات الأساسية.



