سجلت كبرى شركات الطاقة العالمية قفزات كبيرة في أرباحها خلال الربع الثالث من عام 2026، رغم انخفاض أحجام الإنتاج وتعطل بعض المنشآت الحيوية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وتكشف النتائج المالية عن مفارقة اقتصادية، حيث أصبحت قيمة البراميل المباعة أهم من كميتها، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط وهوامش التكرير وأسعار الغاز الطبيعي.
شل تتحدى توقف الإنتاج
أعلنت شركة شل البريطانية ارتفاع أرباحها إلى 10.81 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2026، مقارنة بنحو 5.43 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، رغم تراجع إنتاجها المتاح للبيع بنسبة 8.9% ليصل إلى 2.57 مليون برميل مكافئ يوميًا. وارتفعت أرباح الأشهر التسعة الأولى إلى 27.57 مليار دولار مقابل 15.27 مليار دولار عام 2025، مع انخفاض متوسط الإنتاج من 2.78 مليون إلى 2.59 مليون برميل مكافئ يوميًا.
عزت الشركة تراجع الإنتاج إلى الاضطرابات في الشرق الأوسط، وتحديدًا توقف منشأة بيرل لتحويل الغاز إلى سوائل في قطر منذ مارس 2026، مع استئناف جزئي للتشغيل في أكتوبر الماضي، وتوقع استكمال الإصلاحات بحلول الربع الأول من 2027. غير أن ارتفاع أسعار البيع وهوامش التكرير وتحسن عوائد الغاز الطبيعي عوض أثر تراجع الكميات، وسجلت التدفقات النقدية التشغيلية 21.04 مليار دولار في الربع الثالث مقابل 12.21 مليار دولار قبل عام. وأعلنت شل برنامجًا جديدًا لإعادة شراء أسهم بقيمة 5 مليارات دولار.
قفزات أرباح المنافسين
لم تكن شل وحدها، إذ حققت توتال إنرجيز الفرنسية أرباحًا بلغت 9.1 مليار دولار بارتفاع 127% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2022. وسجلت إكسون موبيل الأمريكية 17.5 مليار دولار، وشيفرون 10.4 مليار دولار، بينما قفزت أرباح بي بي البريطانية إلى 8.46 مليار دولار مقابل 2.21 مليار دولار قبل عام.
أظهرت بيانات الإيرادات المجمعة لأكبر خمس شركات نموًا ملحوظًا خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026: إكسون موبيل 308.19 مليار دولار (+26.4%)، شل 257.20 مليار دولار (+26.8%)، بي بي 189.76 مليار دولار (+33.7%)، توتال إنرجيز 182.75 مليار دولار (+21.4%)، شيفرون 179.99 مليار دولار (+29.8%).
التكرير يقود المكاسب
كان قطاع التكرير والكيماويات من أبرز مصادر الأرباح، حيث قفزت أرباح توتال إنرجيز في هذا القطاع إلى 3.6 مليار دولار، أي أكثر من خمسة أمثال مستواها قبل عام، مدعومة بارتفاع هوامش التكرير العالمية وزيادة الكميات المعالجة بنحو 10%. وارتفع مؤشر هامش ربح التكرير لدى شل إلى 42 دولارًا للبرميل في الربع الثالث مقابل 24 دولارًا في الربع السابق، وقفزت أرباح قطاع الكيماويات والمنتجات النفطية إلى 3.86 مليار دولار مقارنة بنحو 550 مليون دولار قبل عام.
استفادت الشركات كذلك من تحسن أنشطة الغاز الطبيعي المسال، حيث حققت توتال إنرجيز نحو 1.9 مليار دولار من هذا القطاع مدعومة بارتفاع أسعار الغاز. وأكد الرئيس التنفيذي باتريك بويانيه أن تنوع الأعمال والانتشار الجغرافي ساهما في تعزيز النتائج.
تنوع الأنشطة يوفر الحماية
تكشف نتائج شل أهمية النموذج المتكامل، إذ ساهم قطاع التنقيب والإنتاج بنحو 27.6% فقط من مجموع أرباح القطاعات الموجبة خلال الربع الثالث، مقابل 33.4% لقطاع الكيماويات والمنتجات النفطية، و26.3% للغاز المتكامل، و10.1% للتسويق. وبذلك جاءت نحو 72.4% من الأرباح من أنشطة غير التنقيب والإنتاج.
ساعد ارتفاع هوامش منتجات الطاقة وتحسن أداء المصافي إكسون موبيل على مواجهة تأثير الاضطرابات في الشرق الأوسط، إلى جانب نمو الإنتاج في غيانا وحوض بيرميان الأمريكي. وأكد الرئيس التنفيذي دارين وودز أن الاستثمارات المستمرة وتحسين كفاءة العمليات عززا القدرة على تحقيق الأرباح.
مخاطر استمرار التعطل
رغم الأرباح القوية، تظل قدرة الشركات على مواجهة الاضطرابات مرتبطة بمدة توقف الإنتاج وحجم المنشآت المتضررة. وأوضحت شل أن انخفاض الكميات تسبب في تراجع أرباح قطاع الغاز المتكامل بنحو 1.28 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى. وتبلغ الطاقة الإنتاجية الكاملة لمنشأة بيرل 140 ألف برميل مكافئ يوميًا، مع توقع استمرار إصلاح الوحدة المتضررة حتى الربع الأول من 2027. كما سجلت شل انخفاضًا في قيمة بعض أصول الغاز الحيوي الأوروبية بنحو ملياري دولار.
إذا امتدت الاضطرابات إلى المصافي ومرافق التصدير وخطوط الإمداد، فقد تتراجع قدرة الشركات على الاستفادة من الأسعار المرتفعة. وسيكون الاختبار الأصعب بعد انتهاء الأزمة، عندما تستقر الأسواق وتنحسر الأرباح الاستثنائية، ليظهر الفارق بين من استفاد من ظروف مؤقتة ومن حول المكاسب إلى استثمارات تعزز القدرة التنافسية لسنوات مقبلة.



