تمثل الصحراء الشرقية في محافظة البحر الأحمر أحد أغنى المناطق بالثروات التعدينية والجيولوجية في مصر، حيث تضم عشرات المواقع التي تحتوي على الذهب والفوسفات والفلوسبار وأحجار الزينة وغيرها من المعادن ذات القيمة الاقتصادية والصناعية العالية. ورغم هذه الثروة، لا تزال أجزاء كبيرة منها غير مستغلة بالشكل الأمثل، فيما يتم تصدير بعض الخامات في صورتها الأولية، ما يفتح الباب أمام ضرورة التوسع في التصنيع المحلي لزيادة القيمة المضافة للاقتصاد المصري.
تاريخ تعديني يمتد لآلاف السنين
يؤكد الدكتور الجيولوجي أبو الحجاج نصير، مدير الفرع الإقليمي لشئون البيئة السابق بالبحر الأحمر، أن المصريين القدماء كانوا من أوائل من عرفوا التعدين واستغلال الثروات الجيولوجية، حيث بدأ اهتمامهم بثروات الصحراء الشرقية منذ آلاف السنين بالتزامن مع حركة التجارة التي ربطت وادي النيل بساحل البحر الأحمر. وأوضح أن المصريين القدماء شقوا طريق قفط - القصير الأثري للوصول إلى البحر الأحمر، واستخدموا الموانئ القديمة في نقل البضائع، ومع اكتشافهم طبيعة الصخور في جبال البحر الأحمر بدأوا استغلالها في أعمال البناء والنحت وصناعة التماثيل والمعابد، مستخدمين وسائل بدائية من بينها الأخشاب والمياه لفصل الصخور.
نحو 120 موقعًا للذهب
كشف نصير أن الصحراء الشرقية تضم قرابة 120 موقعًا لاستخراج الذهب، بينها مواقع قديمة تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، مؤكدًا أن عمليات البحث عن الذهب في المنطقة تمتد جذورها إلى الحضارة المصرية القديمة. وأشار إلى أن بعض الخرائط القديمة لمواقع استخراج الذهب لا تزال محفوظة في متاحف خارج مصر، وتمثل مناطق مثل السكري والفواخير وأم الروس نماذج مهمة على تاريخ التعدين في المنطقة. وأضاف أن منطقة الفواخير تضم بقايا مصنع أقامه الإنجليز لاستخراج الذهب، إلى جانب مغارات حُفرت قديماً لتتبع عروق الذهب داخل الجبال.
معادن نادرة بملايين الأطنان
أكد نصير أن الثروات التعدينية لا تقتصر على الذهب، بل تضم مجموعة كبيرة من المعادن والخامات ذات القيمة الاقتصادية، مشيرًا إلى وجود كميات كبيرة من معدن المنجنيت في منطقة أبو غصون جنوب مرسى علم تتجاوز ملايين الأطنان، وهو من مشتقات الحديد. وأوضح أن مصر كانت تصدر هذا المعدن إلى دول أوروبية منها النمسا، وطالب باستغلال هذه الموارد في إقامة مشروعات صناعية متخصصة، من بينها بحث إمكانية إنشاء مصنع لإنتاج هياكل الطائرات عبر التعاون مع دول تمتلك خبرات في هذا المجال.
مدرسة متخصصة للتعدين
شدد نصير على أهمية إنشاء مدرسة متخصصة في علوم التعدين بالصحراء الشرقية، مجهزة بأحدث النظم التكنولوجية، تقدم تعليمًا وتدريبًا في مجالات التعدين والجيولوجيا واستخراج الخامات، مع فتح الدراسة أمام الطلاب من خارج مصر لتوفير مورد اقتصادي إضافي وتخريج كوادر متخصصة. وأكد أن وجود مدرسة تعدين في جنوب البحر الأحمر يمكن أن يتكامل مع المقومات الجيولوجية لتحويل المنطقة إلى مركز للتعليم والتدريب والبحث والاستكشاف في مجال التعدين.
الفوسفات وخطوط التصدير
تعد خامات الفوسفات من أبرز الثروات في نطاق البحر الأحمر، حيث تشهد مواقع استخراجها نشاطًا كبيرًا. وأوضح نصير أن منطقة السباعية بمدينة إدفو في أسوان تعد حاليًا من أكبر مناطق استخراج الفوسفات في مصر، بعدما توقفت بعض مواقع البحر الأحمر عن العمل. ويتم نقل الفوسفات المستخرج إلى ميناء الحمراوين بالقصير ومنطقة أبو غصون تمهيدًا لتصديره بحريًا إلى الأسواق الخارجية، ومن بينها السوق الهندية.
الفلوسبار لصناعة الشرائح الإلكترونية
من جانبه، قال المهندس محمد سعود، أحد العاملين في مجال التعدين بالبحر الأحمر، إن جبال البحر الأحمر تحتوي على خام الفلوسبار الذي يوجد في صورة عروق داخل الصخور، ويتميز بدرجة نقاء مرتفعة وخلوه من الشوائب، ما يجعله مطلوبًا في الأسواق الخارجية، حيث يُصدر إلى دول شرق آسيا وأوروبا لاستخدامه في صناعات متعددة، من بينها الصناعات المرتبطة بالشرائح الإلكترونية. وأكد أن الصحراء الشرقية تحتوي على كميات كبيرة من الخامات تحتاج إلى مزيد من أعمال البحث والاستكشاف والاستغلال.
أحجار الزينة والزمرد في وادي سكيت
تمتد الثروة الجيولوجية إلى أحجار الزينة والأحجار الكريمة، حيث تمتلك مصر تاريخًا طويلًا في استخراجها. وأوضح سعود أن مناطق جنوب البحر الأحمر، ومن بينها وادي سكيت، تحتوي على خامات من أحجار الزينة ومنها الزمرد، مشيرًا إلى أن هذه المناطق عرفت نشاطًا تعدينيًا منذ عصور الفراعنة، ثم واصل الرومان استغلال عدد من المواقع. وأشار إلى أن العديد من هذه الموارد لم تُستغل بالقدر الكافي رغم مقوماتها التي يمكن أن تدعم صناعة أحجار الزينة وتفتح مجالات جديدة للاستثمار والتصنيع والتصدير.
السياحة الجيولوجية.. مقصد واعد
يرى خبراء التعدين والجيولوجيا أن تطوير التعدين لا يجب أن ينفصل عن النشاط السياحي، خاصة أن طبيعة المنطقة وتكويناتها الصخرية ومواقع المناجم القديمة يمكن أن تمثل مقصدًا مهمًا للسياحة الجيولوجية. وطالب الخبراء بفتح وتطوير الطرق المؤدية إلى المناطق الجيولوجية والتعدينية المهمة، مع إعداد برامج سياحية متخصصة للتعريف بتاريخ التعدين في مصر، وربط المواقع الأثرية القديمة بمواقع المناجم والمحاجر والتكوينات الجيولوجية، مؤكدين أن السائح والدارس المتخصص في الجيولوجيا يمكن أن يمثل شريحة مهمة من زوار البحر الأحمر.
مشروع المثلث الذهبي.. أمل الاستثمار
يظل مشروع المثلث الذهبي أحد أبرز الآمال المرتبطة باستغلال ثروات الصحراء الشرقية، حيث ينتظر العاملون في قطاع التعدين أن يسهم المشروع في إحداث نقلة كبيرة في معدلات الاستثمار واستغلال المناجم والخامات. ويشير العاملون إلى أن أهمية المشروع لا تقتصر على استخراج المعادن، بل تمتد إلى إقامة صناعات مرتبطة بها، وخلق مجتمعات عمرانية جديدة، وتوفير فرص عمل، إلى جانب دعم الأنشطة الزراعية والسياحية والصناعية.



