يستكشف تحقيق وثائقي التكاليف الاجتماعية والبيئية الأقل وضوحًا لاستخراج الليثيوم من المستنقعات الملحية في تشيلي وبوليفيا والأرجنتين، في وقت تتصاعد فيه الطلب العالمي على هذا المعدن الحيوي لبطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة النظيفة.
الماء.. شريان الحياة في قلب الصراع
في منطقة ساليناس غرانديز بالأرجنتين، حيث يرتفع الموقع عن 4000 متر فوق مستوى سطح البحر، تقول فيرونيكا تشافيز من مجتمع سانتواريو دي تريس بوزوس الأصلي: "الليثيوم لا نأكله، هذه الحقيقة.. إن الماء هو الذي نعيش منه". يعتمد السكان المحليون على المياه التي يوفرها المستنقع الملحي لخلق واحات للرعي والزراعة والحياة في منطقة صحراوية قاحلة.
قادت تشافيز مقاومة مجتمعية استمرت 15 عامًا ضد مشاريع التعدين التي تهدد ساليناس غرانديز ولاغونا دي غوياتايوك، ووصلت القضية الآن إلى المحكمة العليا الوطنية في بوينس آيرس، مطالبة بتقييم الأثر التراكمي على حوض المستنقع الملحي بأكمله وليس فقط محيط مواقع الاستخراج.
من المستنقع إلى البطارية: عملية استهلاكية للمياه
في مستنقع أتاكاما بتشيلي، تدير شركة "نوفاندينو ليتيو" - المشروع المشترك بين "كوديلكو" الحكومية و"إس كيو إم" - واحدة من أكبر عمليات استخراج الليثيوم عالميًا. تستخرج المضخات الماء المالح (السالمويرا) من الآبار وتنقله إلى برك تبخير ضخمة، حيث تتبخر المياه على مدى 14 شهرًا في المتوسط لتركيز الليثيوم.
يشرح خوليو غارسيا، مدير البيئة في الشركة، أن 30% من السالمويرا عبارة عن أملاح مذابة و70% مياه مالحة تتبخر. تخطط الشركة لتصدير 260 ألف طن من كربونات الليثيوم في 2026، معظمها إلى الصين التي تصنع 80% من خلايا البطاريات عالميًا.
تقنيات جديدة ومخاوف قديمة
تتعهد "نوفاندينو" بوقف استهلاك 110 لترات في الثانية من المياه العذبة بحلول 2035، والاعتماد على تقنية الاستخراج المباشر للليثيوم (EDL) التي تعد باستخراج أسرع دون برك تبخير. لكن رامون بالثازار، مدير مؤسسة "تانتي" في سان بيدرو دي أتاكاما، يحذر: "تقنية EDL غير مجربة وتتطلب أيضًا مياهًا عذبة".
يضيف غونزالو مونداكا، مهندس بيئي وباحث بوليفي، أن إعادة حقن السالمويرا المستنفدة قد تلوث طبقات المياه العذبة المحيطة أو تؤثر على حوض المستنقع بأكمله، محذرًا من أن الآثار قد لا تظهر إلا بعد عقود. يصف بالثازار الوضع بـ"الاستخراجية الخضراء" حيث يستمر النهج الاستخراجي ذاته تحت غطاء التحول النظيف.
ثلاث دول.. معاناة موحدة للمجتمعات الأصلية
في سان بيدرو دي ألفارسيتو بالأرجنتين، يعرض أرماندو موراليس مزرعة سمك تراوت تعتمد على مياه تتدفق من مناطق أخرى، موضحًا أن مجتمعه اضطر لتوظيف محامين وهيدروجيولوجيين للدفاع عن حقوقه. يقول: "عندما نكتشف المشاريع، يكون كل شيء محسومًا مسبقًا، لا استشارة.. تُنتهك كل حقوقنا والاتفاقيات الدولية".
تشير بيا مارشيجيان من مؤسسة "فارن" إلى أن الحكومات الإقليمية في الأرجنتين تعتمد على عائدات التعدين وتفتقر لقدرة الرقابة، مما يؤدي إلى "اقتصاد المحسوبية" حيث تُستقطب المجتمعات لقبول المشاريع أو تنقسم داخليًا.
الأرجنتين.. جنة للشركات التعدينية
في عهد خافيير ميلي، مُنحت الشركات الأجنبية حوافز غير مسبوقة. يصف برونو فورنيو، مؤلف كتاب "كل شيء عن الليثيوم"، الوضع بـ"حفلة الرأسمالية": ضرائب زهيدة، حرية في تقنيات الاستخراج، وتجاهل لمطالب المجتمعات. شركات من الصين وكوريا الجنوبية وأستراليا وفرنسا تدير المناجم العاملة، مع 50 مشروعًا بانتظار الموافقة.
في سالار دي أومبر مويرتو بكاتاماركا، يُتهم أقدم منجم ليثيوم في البلاد بالتسبب في جفاف نهر ترابيتشي. تقول المحامية فيرونيكا غوستيسا: "بُني سد لاستخدام تلك المياه ومات النهر، إنها منطقة تضحية لتعدين الليثيوم".
الجيوبوليتيكا: من يسيطر على القيمة الحقيقية؟
يوضح فورنيو أن القيمة الحقيقية ليست في استخراج الليثيوم بل في "المعرفة التقنية" لصناعة بطاريات أقوى وأطول عمرًا، وهو ما تسيطر عليه الصين بالكامل. يرى أن اهتمام الولايات المتحدة بموارد أمريكا اللاتينية يأتي ردًا على الهيمنة الصينية.
يحذر بالثازار من أن الطلب على المعادن الاستراتيجية تدفعه أجندات جيوسياسية تتجاوز التخلي عن الوقود الأحفوري، وتمتد إلى "العسكرة والإنتاج الحربي"، ما يضغط لتسريع الاستخراج في أراضي المستنقعات الأنديزية.
منطقة تضحية لنموذج استهلاك غير مستدام
تختزل مارشيجيان تساؤل المجتمعات: "نحن نعيش بأسلوب لا يساهم في الاحتباس الحراري.. لماذا يجب أن نكون منطقة تضحية لنموذج استهلاك وأسلوب حياة لا يعيد أحد النظر فيه؟" - سؤال يظل معلقًا بينما يتسابق العالم نحو "انتقال نظيف" قد لا يكون نظيفًا ولا عادلًا للجميع.



