بترو نيوز 24الخبر أولاً، والحقيقة دائماً

رئيس مجلس الإدارة: فاطمة الفار

رئيس التحرير: عادل البكل

الطاقة النظيفة

د. إيمان مصطفى: تحديات الشبكة والتخزين تعيق توسع الطاقة الشمسية في مصر

د. إيمان مصطفى: تحديات الشبكة والتخزين تعيق توسع الطاقة الشمسية في مصر
الطاقة النظيفة · ٠٨:٥٦:١٤ - الجمعة، ٦ نوفمبر ٢٠٢٦

أكدت الدكتورة إيمان محمد مصطفى، خبيرة تطوير تقنيات الطاقة والتقنيات النانوية والابتكار في العمليات البترولية، أن قطاع الطاقة الشمسية في مصر يشهد طفرة هيكلية واضحة مدفومة بمجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، إلى جانب مشروعات هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة واستثمارات القطاع الخاص.

القدرات المعلنة والإنتاج الفعلي

أوضحت مصطفى ضرورة التمييز الفني بين القدرة المركبة الاسمية وتوليد الكهرباء الفعلي، مشيرة إلى أن الأرقام المعلنة تعكس الحد الأقصى للإنتاج في ظل ظروف قياسية، بينما يحدد الإنتاج الفعلي عوامل مثل ساعات سطوع الشمس والكفاءة التشغيلية والظروف المناخية. ويتراوح معامل القدرة للطاقة الشمسية في مصر بين 22% و27% بفضل مستويات الإشعاع الشمسي العالية، ما يعني أن محطة بقدرة 100 ميغاواط يمكن أن تولد بين 190 و230 مليون كيلوواط/ساعة سنويًا.

أولويات التوسع: جاهزية الشبكة أولاً

رتبت الخبيرة عوامل تحديد وتيرة التوسع حسب درجة الاستعجال: تتصدر جاهزية الشبكة وقدرتها على استيعاب مصادر توليد جديدة، تليها تحديات التمويل وسط تقلبات أسعار الفائدة والصرف، ثم الحاجة المتنامية لحلول تخزين الكهرباء. أما تكاليف الإنشاء فلم تعد العائق الرئيسي الذي كانت عليه، لا سيما مع التراجع العالمي المستمر في أسعار الألواح الشمسية.

الميزة التنافسية لمصر: حزام الشمس العالمي

تقع مصر في قلب "الحزام الشمسي" العالمي، وتتمتع بإشعاع شمسي مباشر يتجاوز 2200 إلى 2600 كيلوواط/ساعة/م² سنويًا. وتحويل هذه الميزة إلى قيمة اقتصادية يتطلب ثلاثة مسارات: التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، ودمج محطات الطاقة الشمسية مع مشروعات تحلية المياه، وربط الكهرباء النظيفة بالقطاع الصناعي الوطني لخفض البصمة الكربونية وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية في ضوء آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM).

الجدوى الاقتصادية: توفير الغاز والعملات الصعبة

أشارت مصطفى إلى علاقة مباشرة بين التوسع في الطاقة الشمسية وترشيد استهلاك الغاز الطبيعي؛ فكل 1000 ميغاواط من القدرة الشمسية يمكن أن توفر نحو 350 إلى 400 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا. وبحساب سعر تصدير متوسط يبلغ 11 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، تتجاوز الوفورات 140 مليون دولار سنويًا لمحطة بقدرة 1000 ميغاواط.

ورغم ارتفاع تكاليف التمويل وتقلبات سعر الصرف، تظل المشروعات الشمسية مجدية اقتصاديًا عند احتساب تكلفة الطاقة المهدرة (LCOE) التي تراعي العمر التشغيلي للألواح الذي يتجاوز 25 عامًا، وانخفاض تكاليف التشغيل والصيانة مقارنة بمحطات التوليد التقليدية.

الأنظمة المنزلية والمصنعية: فترة استرداد 3.5 إلى 6 سنوات

أوضحت أن الاستثمار في الطاقة الشمسية يصبح جذابًا عندما تتركز الأنشطة الصناعية في ساعات النهار، وعندما تقع المنشأة في شريحة استهلاك كهرباء مرتفعة. وتتراوح فترة استرداد الاستثمار في مصر حاليًا بين 4 و6 سنوات للمنازل والمنشآت التجارية، و3.5 إلى 4 سنوات للمصانع متوسطة الحجم، مع عمر تشغيلي يتجاوز 25 عامًا.

التخزين والشبكة: التحدي الحقيقي للمستقبل

يعد الفجوة بين التوليد النهاري والطلب المسائي التحدي الأبرز، ويتطلب معالجته حلولًا متكاملة: مشروعات التخزين بالضخ مثل مشروع جبل عتاقة، وأنظمة تخزين البطاريات (BESS)، وإدارة الأحمال الصناعية الذكية، وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي. ولا يكفي حل واحد بمفرده، بل يلزم نظام بيئي متكامل.

أضافت أن البطاريات مهمة للغاية مع تراجع تكاليف تقنيات التخزين عالميًا، لكن تطوير الشبكة وإدارة الأحمال يقدمان الحلول الأكثر فعالية من حيث التكلفة والأسرع أثرًا على المدى القريب.

التحديات الفنية للشبكة المصرية

أكبر التحديات يكمن في الحفاظ على استقرار التردد والجهد الكهربائي أمام التقلبات المفاجئة في التوليد (مثل مرور السحب)، وظاهرة "منحنى البط" التي تعكس تغير أنماط الطلب مع زيادة مساهمة الطاقة الشمسية نهارًا. وهذا يستدعي استثمارات عاجلة في الشبكات الذكية، ومراكز التحكم المتقدمة، ومعدات تعويض القدرة التفاعلية.

التصنيع المحلي: من التجميع إلى الصناعة الحقيقية

تمتلك مصر قاعدة صناعية وتجميعية صلبة، لكن القدرات تتباين حسب مستوى التقنية. يمكن توطين هياكل التثبيت المعدنية، والكابلات والموصلات، والمحولات، ولوحات التوزيع والتجميع، وتجميع الألواح الشمسية باستيراد الخلايا. بينما يظل استيراد خلايا السيليكون الإلكتروني، والرقائق الأساسية، والعواكس الذكية، وأنظمة التخزين، وبطاريات الليثيوم ضروريًا.

العقبات أمام المنافسة تشمل: محدودية حجم الإنتاج مقارنة بمنشآت الصين التي تصل لعشرات الغيغاواط سنويًا، وعدم استقرار الطلب، والوتيرة السريعة لتطور تقنيات الألواح (من PERC إلى TOPCon وHeterojunction)، وارتفاع تكاليف التمويل وتقلب أسعار المواد الخام المستوردة.

ثلاث مسارات لبناء صناعة محلية مصدرة

اقترحت مصطفى: أولاً، فرض نسب محتوى محلي متدرجة للمشروعات الجديدة (تبدأ من 30% وتصل إلى 60%) بما يتوافق مع قدرات الصناعة المحلية. ثانيًا، جذب الشركات الدولية لإقامة مشروعات مشتركة ومناطق صناعية متخصصة بحوافز استثمارية وجمركية وضريبية، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لمصر واتفاقيات التجارة الحرة. ثالثًا، تطوير الكوادر الفنية والهندسية وربط المراكز البحثية الجامعية باحتياجات القطاع الصناعي.

التقنيات النانوية: حلول مبتكرة للكفاءة والصيانة

أبرزت دور الطلاءات النانوية الذكية على الأسطح الزجاجية للألواح في منحها خصائص التنظيف الذاتي ومقاومة التصاق الماء والغبار، ما يقلل تراكم الأتربة ويحافظ على كفاءة الإنتاج، خاصة في البيئة الصحراوية المصرية حيث يمكن أن يفقد الإهمال في التنظيف 15% إلى 20% من الإنتاجية. كما يمكن استخدام أنظمة تنظيف روبوتية جافة دون استهلاك مياه، وطائرات مسيرة بكاميرات حرارية للكشف المبكر عن "النقاط الساخنة" والأعطال الكهربائية.

أولوية المرحلة المقبلة: تطوير الشبكة والتخزين

من منظور علمي وهندسي، تطوير الشبكة القومية وتعزيزها بالبطاريات وأنظمة التخزين هو الأولوية القصوى. الاستمرار في بناء محطات توليد جديدة دون شبكة نقل ذكية ومرنة ذات سعة تخزينية كافية قد يؤدي إلى خفض قسري للإنتاج وهدر الكهرباء المولدة، مما ينعكس سلبًا على جدوى الاستثمارات.

ثلاث إجراءات عملية للعام القادم

حددت مصطفى ثلاث إجراءات ذات أثر سريع: تبسيط وتسريع إجراءات ربط المشروعات الشمسية بالشبكة (خاصة للمنشآت الصناعية والتجارية عبر صافي القياس أو آليات النقل)، وإدخال حوافز جمركية وضريبية لمعدات تخزين الكهرباء والبطاريات وأنظمة التسخين الشمسي الصناعي، وتمكين اتفاقيات شراء الطاقة المباشرة (Corporate PPAs) بين المطورين والقطاع الخاص عبر الشبكة القومية.

اختتمت بالتأكيد أن مصر تمتلك مقومات طبيعية واستثمارية وصناعية تؤهلها للعب دور أكبر في مستقبل الطاقة المتجددة، لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب الانتقال من مجرد التوسع في بناء المحطات إلى بناء منظومة متكاملة تضم الشبكات الذكية، والتخزين، والتصنيع المحلي، والبحث العلمي، وتحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة وفرص استثمار مستدامة.

شارك الخبر: