تمضي مصر في ترسيخ موقعها كمركز إقليمي محوري للطاقة، مستفيدة من بنية تحتية واسعة تتيح نقل وتخزين وتصنيع النفط والغاز لدول الجوار، لكن التحول من مجرد ممر للعبور إلى مركز تداول متكامل لا يزال يواجه اختبارات السوق والعقود طويلة الأجل.
مفهوم مركز الطاقة: أكثر من مجرد جغرافيا
يُعرّف خبراء الطاقة "مركز الطاقة" بأنه نقطة تلتقي فيها الإمدادات والبنية التحتية والعملاء، مما يسمح بنقل الطاقة وتخزينها وتصنيعها وتداولها. ويؤكد سيريل ويدرسهوفن، المستشار الأول في "بلو ووتر ستراتيجي"، أن "الجغرافيا تخلق النافذة، بينما يحول التنفيذ الموثوق بها إلى عمل تجاري". وتتداخل ثلاثة نماذج في هذا الإطار: مركز العبور الذي ينقل الطاقة بين الأسواق، ومركز البنية التحتية الذي يوفر التخزين والتصنيع والربط، ومركز التداول الذي يضيف سوقاً للمشترين والبائعين بأسعار شفافة وأدوات لإدارة المخاطر.
البنية التحتية للعبور والتخزين: سوميد نموذجاً
يبرز خط أنابيب سوميد كمثال كلاسيكي للبنية التحتية التي تكسب من نقل نفط الغير، حيث تصل طاقته إلى 2.5 مليون برميل يومياً بين العين السخنة وسيدي كرير. وسجلت صادرات الخام من سيدي كرير نحو 2.3 مليون برميل يومياً في أغسطس الماضي، ارتفاعاً من نحو مليون برميل يومياً في يوليو، مدفوعة بشكل أساسي بالبراميل السعودية. ويشير بيتر ستيفنسون، محرر شرق المتوسط في "ميس"، إلى أن شركات البنية التحتية تحقق رسوم خدمات يمكن التنبؤ بها دون تعريض المشغل لأسعار السوق العالمية، وهو ما يجعل هذه الأصول جذابة للمستثمرين، وفقاً للاستشاري حمدي فراج.
الإسالة: خدمة يصعب تكرارها إقليمياً
تمثل مصانع الإسالة في إدكو ودمياط أصولاً استراتيجية، بطاقة اسمية إجمالية تعادل 16.7 مليار متر مكعب سنوياً. ويقدر ستيفنسون أن تكرار مصنع مثل إدكو قد يستغرق 7 إلى 10 سنوات بتكلفة مليارات الدولارات. وتتباين مصادر الغاز الواردة: الغاز الإسرائيلي يخدم الطلب المحلي بشكل أساسي بديلاً عن استيراد غاز مسال مكلف، بينما يوجه غاز حقلي "أفروديت" و"كرونوس" القبرصيين للتصدير عبر دمياط، فتكسب مصر رسوم العبور وحصصاً في المصنع. ويؤكد ويدرسهوفن أن استيراد وتصدير الغاز يمكن أن يتعايشا بشرط وضوح الترتيبات التعاقدية مسبقاً.
التكرير يمتد بالمنطق نفسه للمنتجات البترولية
تمضي شركة ميدور في إنتاج الوقود للاستهلاك المحلي والتصدير، بما في ذلك وقود الطائرات، مع إمكانية الربط بميناء الحمرا البترولي لربط التكرير بالتخزين الساحلي والتسليم اللاحق. وينطبق المنطق ذاته على خط أنابيب طبرق - الإسكندرية المقترح مع خام ليبي، حيث يعتمد قرار العملاء الأوروبيين وشمال أفريقيين على التكلفة الإجمالية للشحن والتخزين والتكرير والتسليم.
التحدي الأصعب: بناء سوق تداول ناضج
يصف ستيفنسون مصر بأنها تمتلك "بنية تحتية كبيرة لمركز طاقة أكثر منها مركز تداول متطور بالكامل". فالسوق الناضجة تتطلب نشاطاً تجارياً مستداماً ومشاركين متعددين، وإدارة للمخاطر والمخزون والائتمان، وهو ما يستلزم شفافية في النفاذ للتعريفات، وعقوداً قابلة للتنفيذ، وتسوية موثوقة. ويمثل مشروع "الفجيرة العلمين" حالة اختبار، حيث تجلب الشراكة خبرة في إدارة مراكز تخزين وتداول دولية. ويشير ويدرسهوفن إلى أن الدليل الأقوى سيكون في جذب أعمال أطراف ثالثة مستدامة، لا مجرد خدمة متطلبات الإمداد المصري، مع تفضيل فراج للمزادات لتخصيص السعات.
الخلاصة: مركز رسوم وتصنيع وبنية تحتية.. والتداول قيد الإثبات
تخلص التحليلات إلى أن مصر حالياً "مركز رسوم، ومركز تصنيع، ومركز بنية تحتية، مع نشاط تداول لا يزال بحاجة للإثبات". والفارق جوهري بين كونك مكاناً تمر منه الطاقة، ومكاناً تختار الشركات ممارسة أعمالها فيه. وتبقى العقود هي المؤشر الأهم: الالتزامات طويلة الأجل، والحجوزات المتكررة، والتجديد في ظروف سوقية طبيعية، هي الأدلة الأقوى على القدرة التنافسية المستدامة، كما يختم ويدرسهوفن: "الاضطراب الإقليمي قد يجلب الأعمال للبنية التحتية، لكن الأداء التجاري الموثوق هو ما سيبقيها هناك".



