يمثل خفض الانبعاثات الكربونية في عمليات البتروكيماويات تحديًا استراتيجيًا لصناعة الكيماويات، في ظل ارتفاع انبعاثات القطاع والضغوط المتزايدة لتسريع التحول نحو الإنتاج المستدام. وتبرز ستة مسارات رئيسية لتحقيق هذا الهدف، تشمل تحسين كفاءة الطاقة واستعادة الحرارة، واحتجاز الكربون وتخزينه، وكهربة العمليات الصناعية، وخفض انبعاثات الميثان، وتبني الاقتصاد الدائري والمواد الأولية البديلة، واستخدام الهيدروجين منخفض الكربون.
مصادر الانبعاثات الرئيسية في المجمعات البتروكيماوية
تتوزع مصادر الانبعاثات على أربع فئات مترابطة. أولاً، عمليات التكسير البخاري التي تحول النافثا والإيثان إلى أوليفينات أساسية مثل الإيثيلين والبروبيلين، وتتطلب حرارة تصل إلى 850 درجة مئوية عبر حرق الغاز الطبيعي، مما ينتج نحو 1 إلى 1.6 طن ثاني أكسيد الكربون لكل طن إيثيلين. ثانيًا، إنتاج غاز التخليق المكون من أول أكسيد الكربون والهيدروجين، الذي يعتمد على الإصلاح البخاري للميثان وينتج ثاني أكسيد كربون كيميائيًا حتميًا. ثالثًا، استهلاك الطاقة الضخم لتشغيل الضواغط والتوربينات والمضخات وأنظمة التبريد، وغالبًا ما يتم توليدها عبر وحدات تعمل بالوقود الأحفوري. رابعًا، شعلات الاحتراق والانبعاثات الهاربة، بما في ذلك الحرق الروتيني وغير الروتيني وتسربات الميثان، الذي تبلغ قدرته على الاحتباس الحراري 28 مرة قدرة ثاني أكسيد الكربون على مدى 100 عام، و81 مرة على مدى 20 عامًا وفق الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
تحسين كفاءة الطاقة واستعادة الحرارة
يعد تحسين كفاءة الطاقة المسار الأسرع عائدًا في خفض الانبعاثات، ويشمل تحديث المبادلات الحرارية، تحسين العزل، تركيب ضواغط عالية الكفاءة، وتطبيق أنظمة إدارة الطاقة بالذكاء الاصطناعي. تسمح أنظمة استعادة الحرارة المهدرة بالتقاط حرارة العادم لإنتاج البخار، مما يخفض استهلاك الوقود بنسبة 8 إلى 15%.
تقنيات احتجاز واستخدام وتخزين الكربون
تبرز تقنيات احتجاز الكربون كركيزة مهمة للانبعاثات صعبة المعالجة. في وحدات أكسيد الإيثيلين والأمونيا تكون تراكيز ثاني أكسيد الكربون أعلى من 90%، مما يخفض تكلفة الالتقاط إلى أقل من 40 دولارًا للطن. بعد الالتقاط يمكن تخزينه جيولوجيًا أو استخدامه لإنتاج اليوريا والميثانول.
كهربة العمليات الصناعية
يمثل التكهرب تحولًا جوهريًا، ومن أبرز المشروعات الرائدة فرن التكسير المكهرب في موقع BASF في لودفيغسهافن بالتعاون مع SABIC وLinde، الذي بدأ تشغيله التجريبي بقدرة 6 ميجاوات عام 2024، ويستهدف خفض الانبعاثات بنسبة 90% عند تغذيته بالكهرباء المتجددة.
خفض الميثان ووقف الحرق الروتيني
يعد رصد الميثان ووقف الحرق الروتيني مسارًا منخفض التكلفة وعالي الأثر. تعتمد الشركات الآن على الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار والكاميرات الحرارية، وتلتزم مبادرة صفر حرق روتيني بحلول 2030 بتحويل الغازات المصاحبة إلى منتجات ذات قيمة.
الاقتصاد الدائري والمواد الأولية البديلة
تتيح إعادة التدوير الكيميائي عبر الانحلال الحراري تحويل النفايات البلاستيكية إلى زيت يمكن إدخاله في وحدات التكسير بدلاً من النافثا البكر. كما يدعم اللقيم الحيوي المستدام خفض الانبعاثات لأن الكربون المنبعث تم امتصاصه مسبقًا أثناء نمو النباتات.
الهيدروجين منخفض الكربون
يلعب الهيدروجين دورًا محوريًا لأن الأمونيا والميثانول تعتمد عليه. إن إنتاج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي بالطاقة المتجددة، أو الأزرق عبر الإصلاح البخاري مع احتجاز الكربون، يساهم في خفض البصمة الكربونية للمنتج النهائي بنسبة تصل إلى 70%.
التحديات والأفق المستقبلي
على الرغم من توفر التقنيات، تواجه الجهود تحديات حقيقية، منها أن التكلفة الرأسمالية للأفران المكهربة أعلى بثلاث مرات من التقليدية، وتحتاج تقنيات احتجاز الكربون إلى بنية تحتية للنقل والتخزين. أعلنت أكثر من 50 شركة كبرى عن أهداف لخفض الانبعاثات بنسبة 30 إلى 50% بحلول 2030 مدفوعة بتشريعات الاتحاد الأوروبي وضغوط المستثمرين. تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن التكهرب والهيدروجين النظيف يمكن أن يخفضا 40% من انبعاثات الصناعات الثقيلة بحلول 2050 إذا توفرت الكهرباء المتجددة بأسعار تنافسية مع دعم سياسات تسعير الكربون.



