تسعى مصر إلى إعادة صياغة خريطة قطاع التعدين عبر تحديث التشريعات المنظمة للاستثمار في الثروة المعدنية، وطرح مناطق جديدة للبحث والاستكشاف، والتوسع في مشروعات تصنيع الخامات محليًا بدلًا من تصديرها في صورتها الأولية. وتستهدف هذه التحركات تعظيم العائد الاقتصادي من الموارد التعدينية، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي والصادرات، وجذب شركات دولية تمتلك الخبرات والتكنولوجيا اللازمة لتطوير أنشطة الاستكشاف والاستخراج والتصنيع، خصوصًا في الذهب والفوسفات والمعادن الصناعية.
تعديلات تشريعية لتغيير قواعد الاستثمار
بدأت ملامح الإصلاح التشريعي مع تعديل قانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014 بالقانون رقم 145 لسنة 2019، وإصدار لائحته التنفيذية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 108 لسنة 2020. وكان من أبرز التغييرات الانتقال في النظام المالي لعقود التعدين من اقتسام الإنتاج والأرباح إلى نظام الإتاوة والضرائب، إلى جانب الفصل بين تراخيص البحث والاستكشاف وتراخيص الاستغلال، بما يسمح بتبسيط الإجراءات وتقليل الوقت اللازم لبدء أعمال البحث.
وفقًا لما أعلنته وزارة البترول والثروة المعدنية عند طرح المزايدة العالمية للذهب في فبراير 2020، استهدفت التعديلات معالجة معوقات الاستثمار، ومن بينها ربط إجراءات البحث والاستكشاف بإجراءات الإنتاج والاستغلال، وإعادة تنظيم النظام المالي للعقود بما يتناسب مع طبيعة النشاط التعديني. ولم يتوقف التطوير التشريعي عند ذلك؛ إذ صدر القانون رقم 87 لسنة 2025 متضمنًا تعديلات مؤسسية وإجرائية، من بينها استبدال مسمى الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية بمسمى «هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية» في النصوص المعدلة.
مزايدات الذهب.. شركات دولية تدخل الصحراء الشرقية
على مستوى الاستكشاف، شهدت المزايدة العالمية الأولى للبحث عن الذهب التي طرحتها مصر في مارس 2020 فوز 11 شركة مصرية ودولية بـ82 قطاعًا في الصحراء الشرقية، من بين 17 شركة تقدمت بعروض، بالتزامات استثمارية لا تقل عن 60 مليون دولار في المراحل الأولى للبحث. وشملت الشركات الفائزة شركات دولية من بينها سنتامين الأسترالية، وباريك جولد ولوتس جولد وبي تو جولد الكندية، إلى جانب شركات بريطانية ومصرية.
في يناير 2021، وقعت الوزارة خمسة عقود أولية للبحث عن الذهب مع شركات كندية ومصرية في 13 قطاعًا، باستثمارات بلغت نحو 13 مليون دولار. كما وقعت مصر في يوليو 2021 أربعة عقود مع شركة باريك جولد الكندية للبحث عن الذهب في 19 قطاعًا بالصحراء الشرقية، باستثمارات تقارب 8.8 مليون دولار. وتعكس هذه التعاقدات اهتمام شركات التعدين الدولية بالفرص المتاحة في مصر، لكنها تظل استثمارات مخصصة للبحث والاستكشاف، ولا تعني بالضرورة اكتشاف احتياطيات تجارية أو بدء الإنتاج.
الفوسفات.. من تصدير الخام إلى تصنيع الأسمدة
لا يقتصر توجه تعظيم القيمة المضافة على الذهب، بل يمتد إلى الفوسفات، الذي يمثل أحد أهم الموارد التعدينية المصرية القابلة للتوسع في الصناعات التحويلية، خصوصًا إنتاج الأسمدة الفوسفاتية وحامض الفوسفوريك والمنتجات الكيميائية المرتبطة به. وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن إنتاج مصر من خام الفوسفات بلغ نحو 5.3 مليون طن في 2024، مع احتلالها المرتبة الثالثة عالميًا من حيث احتياطيات صخر الفوسفات وفق تقديرات الهيئة للعام نفسه.
تظهر البيانات أن صادرات خام الفوسفات المصرية بلغت نحو 4.6 مليون طن، بما يبرز أهمية التوسع في التصنيع المحلي لزيادة القيمة الاقتصادية المستخلصة من المورد. وفي هذا الاتجاه، استعرضت وزارة البترول والثروة المعدنية في أغسطس 2026 تطورات مجموعة من المشروعات التي تستهدف إنشاء مجمعات صناعية لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية وحامض الفوسفوريك ومنتجات أخرى مرتفعة القيمة، باستخدام خام الفوسفات المصري وبالشراكة مع مستثمرين محليين ودوليين. كما أعلنت الحكومة في مايو 2026 توجهها لتعزيز إنتاج الأسمدة الفوسفاتية والمركبة، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلية وزيادة الحضور المصري في الأسواق الدولية، مع التركيز على توطين الصناعات المرتبطة بالموارد التعدينية.
الذهب.. التعدين والتصنيع المحلي
يمتد هدف تعظيم القيمة المضافة إلى صناعة الذهب، من خلال تطوير أنشطة التكرير والتشكيل والمشغولات الذهبية، وربط عمليات الاستخراج بسلاسل التصنيع والتجارة. وفي هذا السياق، تبرز مشروعات تطوير صناعة الذهب، ومنها مشروع مدينة الذهب الذي طُرح باعتباره تصورًا لتجميع أنشطة تصنيع وتشكيل وتجارة المشغولات الذهبية، لكن ينبغي التمييز بين المشروع المستهدف وبين مدينة صناعية مكتملة دخلت التشغيل التجاري.
كما يجب عدم الخلط بين مشروع مدينة الذهب الصناعية وبين المدينة الأثرية القديمة التي جرى الكشف عنها في منطقة جبل السكري؛ إذ أعلنت الهيئة العامة للاستعلامات في فبراير 2025 الانتهاء من أعمال إحياء وتوثيق مدينة تعدين الذهب الأثرية المكتشفة قرب منجم السكري، وهو مشروع للحفاظ على التراث الأثري وليس مدينة صناعية حديثة.
الاختبار الحقيقي.. قيمة الإنتاج لا حجم الاحتياطيات
تواجه إستراتيجية تعظيم العائد من الثروة المعدنية اختبارًا يرتبط بقدرة مصر على تحويل الموارد الجيولوجية إلى إنتاج تجاري وصناعات تحويلية وصادرات ذات قيمة مضافة أعلى. فجذب شركات الاستكشاف لا يساوي بالضرورة زيادة الإنتاج، وارتفاع الاحتياطيات لا يعني تلقائيًا نمو الصادرات، كما أن التوسع في مشروعات الأسمدة لا يثبت وحده ارتفاع المكون المحلي أو العائد الدولاري قبل بدء التشغيل وظهور بيانات الإنتاج والتصدير.
ومن ثم، فإن قياس نجاح الإصلاحات التعدينية يتطلب متابعة مؤشرات محددة، تشمل الاستثمارات المنفذة في الاستكشاف، وعدد الاكتشافات التجارية، وحجم إنتاج الذهب والفوسفات، ونسبة الخامات التي تدخل عمليات التصنيع المحلي، والطاقة الفعلية للمصانع، وقيمة صادرات المنتجات المصنعة مقارنة بصادرات الخام. فالمكسب الاقتصادي الأكبر لا يتحقق بمجرد استخراج الثروة المعدنية من باطن الأرض، بل بقدرة الصناعة المحلية على تحويلها إلى منتجات أعلى قيمة، وتوسيع سلاسل التوريد والتشغيل والتصدير.



