أدى توقف إمدادات الغاز المنزلي عن مدينة تعز منذ شهر، جراء الحصار الذي تفرضه مليشيا الحوثي، إلى تعثر مئات المشاريع الصغيرة وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يهدد مصادر دخل آلاف الأسر، خصوصًا النساء العاملات في المشاريع متناهية الصغر. وارتفعت أسعار الغاز بنحو 150%، بالتزامن مع زيادة أسعار بعض المواد الغذائية بأكثر من 80%، وارتفاع تكاليف النقل والتوصيل بنحو 120%، ما دفع عددًا من المشاريع إلى الإغلاق، فيما اضطر بعضها إلى تقليص نشاطه أو رفع أسعاره لمواجهة الخسائر.
معاناة صاحبات المشاريع
تقول منار السامعي، صاحبة مشروع لإنتاج المعجنات في تعز، إن أزمة الغاز أجبرتها على مواصلة العمل بخسارة للوفاء بالتزاماتها تجاه الزبائن، لا سيما حجوزات المناسبات والأعراس، قبل أن تضطر إلى إغلاق مشروعها بعد استنفاد مدخراتها. وتضيف أن سعر أسطوانة الغاز بلغ 25 ألف ريال، بعدما وصلت كلفة شرائها معبأة في بداية الأزمة إلى 80 ألف ريال، نتيجة اشتراط بعض البائعين شراء الأسطوانة والتعبئة معًا. وتوضح أنها واصلت العمل حفاظًا على سمعة مشروعها، لكنها لم تعد قادرة على الاستمرار، خصوصًا مع استنزاف مدخراتها لتغطية احتياجات أسرتها النازحة من مديرية سامع إلى المدينة.
أما رشا، صاحبة مشروع للمخبوزات في تعز، فتقول إنها أوقفت نشاطها ثلاثة أسابيع بسبب ظروف الحرب والحصار، قبل أن تعاود العمل تحت ضغط الديون ومسؤولية إعالة أطفالها الأربعة. وتضيف أنها اضطرت إلى رفع أسعار منتجاتها لتغطية الزيادة في تكاليف الغاز ومستلزمات الإنتاج، كما رفعت أجور التوصيل وأبلغت الزبائن بإمكانية استلام طلباتهم عبر وسائل نقل يوفرونها بأنفسهم.
700 مشروع مهدد بالتوقف
تقول ولادة الصباري، مديرة إدارة المشاريع الصغيرة والأصغر في مكتب الصناعة والتجارة بالمحافظة، إن عدد المشاريع — سواء المسجلة رسميًا أو غير الرسمية — يتجاوز 700 مشروع، يعتمد معظمها على الغاز في عمليات الإنتاج. وتشير إلى أن مشاريع المأكولات والمعجنات تمثل نحو 60% من إجمالي هذه المشاريع، فيما تتجاوز نسبة مشاريع صناعة البخور والعطور 25%، ما يجعل استمرار أزمة الغاز تهديدًا مباشرًا لشريحة واسعة من الأنشطة الإنتاجية المنزلية والصغيرة.
جذور الأزمة وتفاقمها
تزامنت الأزمة مع تصاعد التصعيد الحوثي منذ أغسطس الماضي، قبل أن تتفاقم مطلع أكتوبر، إثر سيطرة مليشيا الحوثي على مديريات في الريف الغربي والجنوبي، وقطع الطريق الرابط بين تعز والعاصمة المؤقتة عدن، وهو أحد أهم مسارات الإمداد بالغاز والسلع الأساسية إلى المدينة. وبحسب إفادات نقابة وكلاء الغاز، فإن الأزمة لم تنشأ مع المواجهات الأخيرة وحدها؛ إذ كانت تعز تعاني، منذ يناير الماضي، نقصًا في حصتها المقررة من الغاز تجاوز 30%، نتيجة اختلالات التوزيع وضعف الإنتاج وأعمال الصيانة، الأمر الذي أضعف المخزون الاحتياطي لدى المحطات والوكلاء.
يكشف المسؤول الإعلامي لنقابة وكلاء الغاز أن مخزون المدينة المخصص لها في المحطة الواقعة بمنطقة الفرشة — محافظة لحج — يبلغ نحو 160 ألف أسطوانة، بما يعادل أكثر من 100 مقطورة، إلا أن مليشيا الحوثي لم تسمح بدخولها منذ العاشر من أكتوبر. كما تشير المعلومات إلى احتجاز نحو 10 آلاف أسطوانة معبأة بالغاز، منذ الرابع من أكتوبر، في منطقة النشمة بمديرية المعافر، بالسعر الرسمي البالغ 11 ألف ريال للأسطوانة، ما أدى إلى توقف بقية المقطورات عن مواصلة طريقها إلى المدينة. وأمام تعثر وصول الإمدادات، اضطر المواطنون إلى شراء الغاز الإيراني من منطقة البيرين، بأسعار تتراوح بين 25 و28 ألف ريال للأسطوانة، مقارنة بنحو 21 ألف ريال في المنطقة، وسط مخاطر النقل وصعوبة الوصول.
انكماش اقتصادي وتحذيرات
يحذر حلمي الحمادي، الباحث في السياسات النقدية وحوكمة المالية العامة، من أن استمرار الأزمة يدفع مدينة تعز نحو حلقة متصاعدة من الانكماش الاقتصادي، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعطل مصادر الدخل وتراجع فرص العمل والقدرة الشرائية. ويؤكد أن توقف المشاريع الصغيرة لا يعني خسارة أصحابها لمصادر دخلهم فحسب، بل ينعكس أيضًا على العمال والموردين والمستهلكين، ويضعف قدرة السوق المحلية على التعافي. ويرى الحمادي أن حماية اقتصاد تعز لا تقتصر على توفير السلع الأساسية، وإنما تتطلب ضمان وصول مدخلات الإنتاج، وفي مقدمتها الغاز، وتمكين المشاريع الصغيرة والأصغر من مواصلة نشاطها والحفاظ على مصادر دخل الأسر.
مكتسبات التمكين الاقتصادي في خطر
تزداد خطورة هذه التداعيات بالنظر إلى هشاشة الوضع الاقتصادي الذي سبق موجة التصعيد الأخيرة، واعتماد أسر فقيرة وأشد فقرًا على المشاريع المنزلية والصغيرة باعتبارها مصدرًا أساسيًا للدخل والاستقرار المعيشي. وتأتي الأزمة في وقت كانت تعز، كغيرها من المحافظات اليمنية، تعوّل على برامج التمكين الاقتصادي التي توسعت منذ عام 2019، بهدف الانتقال من المساعدات الإغاثية المباشرة إلى توفير مصادر دخل مستدامة للأسر الأكثر احتياجًا. وقد دعمت برامج دولية ومحلية، بينها برامج مرتبطة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، إنشاء وتطوير مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، فيما اضطلعت وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS) بدور تنفيذي في عدد من برامج دعم القطاع الخاص والتمكين الاقتصادي. وتشير التقديرات إلى دعم وإنشاء ما بين 3 آلاف و5 آلاف منشأة صغيرة ومتناهية الصغر مملوكة للنساء خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تقديم التدريب والدعم لأكثر من 560 شركة صغيرة ومتوسطة، ومنح تمويلية لـ333 منشأة، فضلًا عن مشاريع لتمكين النساء من إطلاق أنشطتهن الاقتصادية عبر القروض والمنح، ضمن مشروع SIERY. غير أن هشاشة البيئة الاقتصادية، واستمرار الحرب الحوثية وقطع طرق الإمداد، جعلا هذه المكتسبات عرضة للانتكاس.
تحذيرات إنسانية متصاعدة
في إحاطته الثالثة بشأن الوضع الإنساني في تعز، حذر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي من استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني في المدينة، مشيرًا إلى أن أسعار أسطوانات الغاز تراوحت بين 25 و40 ألف ريال يمني، وأن أول مقطورة دخلت المدينة نفدت حمولتها في يوم وصولها، نتيجة الإقبال الكبير وشح الإمدادات المنتظمة. ومع استمرار القيود على دخول الغاز، تبدو المشاريع الصغيرة والأصغر في تعز أمام اختبار قاسٍ يتجاوز قدرتها على الصمود، خصوصًا تلك التي أنشئت بمدخرات محدودة أو عبر منح وبرامج تمكين اقتصادي.



