أظهرت دراستان حديثتان لشركتي الاستشارات "باين" و"كابجيميني" أن استثمارات التقنيات المستدامة سجلت مستويات تاريخية عام 2025، بينما يُبالغ المسؤولون والمستهلكون في تقدير حصة الذكاء الاصطناعي من استهلاك الطاقة العالمي.
استثمارات خضراء قياسية وتركيز رأسمالي حاد
بلغ إجمالي الاستثمارات العالمية في التقنيات المستدامة 2.4 تريليون دولار أمريكي في 2025، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، وفقًا لتحليلات "باين" استنادًا إلى بيانات الوكالة الدولية للطاقة ومبادرة سياسة المناخ. وخلال العقد الماضي، ضخت الشركات والحكومات نحو 17 تريليون دولار في هذا المجال.
غير أن ثلاث تقنيات فقط فاقت التوقعات هي: الطاقة الشمسية، وتخزين البطاريات، والمركبات الكهربائية، بينما تأخرت 29 تقنية أخرى عن المستهدفات الموضوعة قبل عشر سنوات. وتركز نحو 90% من رؤوس الأموال في قطاعات الطاقة المستدامة، والمباني، والتنقل.
تكيف المناخ سوق تريليونية والتوقيت يحدد الميزة التنافسية
تشير دراسة "باين" الرابعة "دليل الرئيس التنفيذي الرائد للاستدامة" إلى أن سوق التكيف مع المناخ قد ينمو من تريليون دولار حاليًا إلى 4.4 تريليونات دولار بحلول 2050، مدفوعًا بتزايد موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات.
تحليل لنحو 150 ألف منشأة في 12 قطاعًا أظهر أن توقيت الاستثمار حاسم: في الصناعات كثيفة رأس المال مثل الصلب والأسمنت، تتاح فرصة دمج المرونة المناخية فقط كل 25 إلى 35 عامًا عند تحديث المصانع، ومن يفوت النافذة يتحمل مخاطر أعلى لعقود.
مثال شركة "باسف" يوضح العائد: بعد أن كلفها انخفاض منسوب نهر الراين 280 مليون دولار عام 2018، استثمرت في سفن ذات غاطس منخفض ومسارات نقل بديلة وأنظمة إنذار مبكر، ما قلل بشكل ملموس أيام التعطل وتكاليف النقل عند تكرار الأزمة عام 2022.
مخاوف المستهلكين تتصاعد والسلوك المستدام لا يرتبط بالقلق وحده
ارتفعت نسبة المستهلكين القلقين بشأن البيئة والمناخ إلى 85% في استطلاع شمل 7,499 شخصًا في خمس دول، مقابل 79% العام السابق. غير أن نصف من يقولون إن الاستدامة غير مهمة لهم يمارسون ثلاث عادات مستدامة على الأقل بدوافع توفير المال أو الصحة.
أشار شريك "باين" كارل شتيمبل إلى أن الاستدامة وحدها لا تبيع المنتج، بل العروض التي تجمعها مع سعر أقل أو جودة أعلى أو فائدة صحية. وترتفع استعدادية الدفع للمنتجات المستدامة من 18% في المتوسط إلى 24% عند إضافة فائدة صحية.
حصة الذكاء الاصطناعي من الطاقة مبالغ فيها عالميًا لكنها حرجة محليًا
يتوقع التنفيذيون أن تستحوذ تقنيات الذكاء الاصطناعي على 11% من استهلاك الطاقة العالمي خلال ثلاث سنوات، بينما يقدر المستهلكون النسبة بـ19%، في حين تتوقع "باين" نسبة 0.7% فقط بناءً على الحسابات الحالية، أي مبالغة بـ16 مرة و27 مرة على التوالي.
يمكن للذكاء الاصطناعي نفسه خفض استهلاك الطاقة النهائي العالمي بنحو 3% حتى 2035 عبر تحسين عمليات المصانع والتنبؤ بالطلب ومراقبة الانبعاثات، وفق الوكالة الدولية للطاقة.
مراكز البيانات تضغط على الشبكات الإقليمية وتولد "طلبًا وهميًا"
دراسة "كابجيميني" التي استطلعت أكثر من 600 مسؤول في قطاع الطاقة أظهرت أن النمو السريع لمراكز البيانات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي لا يزيد الطلب فحسب، بل يجعل التنبؤ به أصعب بكثير. ثلثا المسؤولين يتحدثون عن "طلب وهمي" من مراكز بيانات لا تتحقق منها نحو 20%، ما يشوه التوقعات ويرفع مخاطر الاستثمار الزائد أو الناقص.
77% من شركات الطاقة تواجه صعوبة في التنبؤ بالطلب المستقبلي، و68% تتوقع اختناقات إمداد لأن الطلب ينمو أسرع من قدرة توسيع العرض. التركيز الجغرافي لمراكز البيانات يفاقم الاختناقات المحلية، حيث يرى أكثر من نصف المسؤولين أن تركيز الأحمال عائق جوهري لاستقرار الشبكة.
الذكاء الاصطناعي أداة لتحسين الشبكات واعتماد محدود حتى الآن
من المتوقع أن ترتفع حصة الذكاء الاصطناعي من استهلاك كهرباء مراكز البيانات من 25% إلى 60% خلال 3-5 سنوات. ستة من كل عشرة مسؤولين يتوقعون تحسينات تتجاوز 10% في تقليل الأعطال والإنتاجية التشغيلية وتجنب الانقطاعات بفضل تحليلات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
غير أن 45% فقط يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحسين الشبكة حاليًا، و16% فقط طبقوا نهجًا متقدمًا مثل تحسين تدفقات الطاقة أو تعزيز المرونة أو التحكم الفوري في الأنظمة.
إنتاج الطاقة في الموقع يغير علاقة المراكز بالشبكة
في مواجهة اختناقات الشبكة وتأخيرات التوصيل، تتجه مراكز البيانات إلى حلول توليد الطاقة في الموقع (Behind-the-meter) كمصدر أساسي لا كاحتياط فقط. 30% تطبق ذلك بالفعل، و39% تخطط خلال 1-2 سنوات، و70% يتوقعون تقليل الاعتماد على الشبكة بشكل كبير خلال خمس سنوات. 86% يرون الاستقلالية عن الشبكة ميزة تنافسية.
مزيج طاقة متنوع ضرورة والغاز جسر انتقالي
يرى 78% من مسؤولي الطاقة و73% من مسؤولي مراكز البيانات أن الطاقات المتجددة وحدها لا تضمن إمدادًا مستمرًا واسع النطاق حاليًا. تستثمر المجموعتان في أنظمة تخزين البطاريات لسد الفجوات، بينما تُعد المفاعلات النووية الصغيرة حلًا طويل الأجل. يرى 68% من المستطلعين أن الغاز الطبيعي يظل حلًا انتقاليًا قصير المدى حتى تنضج التقنيات النظيفة، رغم التوتر مع أهداف المناخ.
تؤكد الدراستان أن المناخ والطاقة والذكاء الاصطناعي مترابطون، وأن دمج الاستثمارات في المرونة المناخية والتقنيات الخضراء مع رقمنة ذكية يبني القدرة التنافسية للغد.



