يعتمد توليد الكهرباء في النرويج بنسبة 88% على الطاقة الكهرومائية، ما جعل البلاد تحتل مكانة متميزة في مشهد الطاقة الأوروبي على مدى عقود. وبفضل مواردها الوفيرة واقتصادها المعتمد بصورة مكثفة على الكهرباء، طورت النرويج أحد أنظف أنظمة الكهرباء في العالم، بحسب تحليل نشره الدكتور فرانشيسكو ساسي، الأستاذ المساعد في الجغرافيا السياسية للطاقة بجامعة أوسلو، عبر مدونة "إنرجي جيوبوليتكس آند ستيتكرافت".
هيمنة الطاقة الكهرومائية والملكية العامة
تمتلك السلطات العامة قرابة 80% من القدرة الإنتاجية للكهرباء في النرويج، في ترتيب مؤسسي يعكس تسوية سياسية استمرت قرنًا من الزمان، ارتبطت فيها السيطرة على الموارد الطبيعية بالسيادة الوطنية والتنمية الاقتصادية. وكانت الكهرباء ذات التكلفة الميسورة ركيزة أساسية للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، وعنصرًا مهمًا في العلاقة بين المواطنين والدولة.
تكامل الأسواق وصدمات الأسعار
لم تعد النرويج تمتلك نظامًا كهربائيًا منعزلًا، فمن خلال كابلات الكهرباء الدولية ازداد اندماج سوقها مع الأسواق الأوروبية المجاورة. وفي عام 2025 وحده، بلغ حجم صادرات النرويج من الكهرباء نحو 34 تيراواط/ساعة. ويوفر هذا الاندماج مزايا اقتصادية كبيرة، إلا أنه يؤدي أيضًا إلى انتقال الصدمات الاقتصادية الخارجية.
كشفت أزمة الطاقة الأوروبية، التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، عن نقاط ضعف هذا التكامل. أدت القفزة في أسعار الغاز الطبيعي والتقلبات الحادة في أسعار الكهرباء إلى تداعيات سياسية ملموسة داخل النرويج، حيث بلغ متوسط الأسعار في جنوب النرويج -الأكثر ارتباطًا بالشبكات الدولية- أكثر من 4 أضعاف مثيلاتها في بعض مناطق الشمال.
الكهرباء كـ "قوة بنيوية"
يشير مفهوم القوة البنيوية إلى قدرة الدولة على تنظيم المجتمع وإدارته من خلال مؤسساتها وشبكاتها. وتُعد الكهرباء مثالًا واضحًا، فمحطات التوليد وشبكات النقل والكابلات الدولية تشكل البنية التحتية المادية، بينما يشكل توفر الكهرباء بأسعار مناسبة وخدمات الطاقة الموثوقة الأسس الاجتماعية التي تستمد الدولة منها شرعيتها.
يعطي التكامل الأوروبي في مجال الكهرباء الأولوية للأسواق الفعالة والربط البيني وخفض الانبعاثات، بينما تركز السياسة الداخلية النرويجية على السيطرة الوطنية على الموارد والأسعار المعقولة وحماية المستهلكين المحليين.
استجابة الدولة للضغوط السياسية
تحول استياء الرأي العام من أسعار الكهرباء تدريجيًا من مسألة سوقية إلى جدل سياسي كبير، وبرزت التداعيات في يناير 2025 عندما أسهمت الخلافات حول سياسات الطاقة الأوروبية في انهيار الائتلاف الحاكم. أعلنت الحكومة لاحقًا فرض قيود على المزيد من التكامل، بما في ذلك معارضة تجديد خطوط الربط القديمة مع الدنمارك وتأجيل وصلات بحرية جديدة حتى 2029.
طرحت الحكومة برنامج "نورجبريس" (Norgepris)، الذي يحدد سعر الكهرباء للمنازل عند 0.40 كرونة نرويجية (0.042 دولار) لكل كيلوواط/ساعة. تُظهر هذه التدابير تحولًا لافتًا، فبدلًا من ترك مستقبل سياسة الكهرباء رهنًا لمزيد من التكامل، دفعت الضغوط الداخلية الدولة إلى استعادة سيطرتها على البنية التحتية التي تربطها بأوروبا.
معضلة صانعي السياسات في أوروبا
من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، يُعد توسيع شبكات الربط جوهريًا لدمج الطاقة المتجددة وتعزيز أمن الإمدادات وخفض التكاليف. وفي المقابل، تواجه النرويج ضغوطًا داخلية متزايدة لحماية مواردها الوطنية ومستهلكيها من تقلبات السوق الأوروبية.
لا يمكن استبعاد أي من وجهتي النظر، وتتمثل الخلاصة الأوسع في أن الاعتماد المتبادل في قطاع الكهرباء لا يمكن استدامته من خلال الاستثمار في البنية التحتية وتنظيم السوق فحسب، بل يتطلب شرعية سياسية داخلية ومؤسسات قادرة على الموازنة بين الأولويات الاقتصادية والاجتماعية المتعارضة. وقد تستبق تجربة النرويج توترات في أماكن أخرى من أوروبا، في ظل تسارع وتيرة الكهربة وتزايد ترابط أنظمة الكهرباء.



