أصبح الحصول على إجابات فورية وتلخيص نصوص طويلة وإنشاء صور في ثوانٍ جزءًا من الحياة اليومية بفضل الذكاء الاصطناعي، إلا أن قلة قليلة تتساءل عن الأنظمة التي تعمل خلف الشاشات. فالتقنيات الرقمية لها مقابل مادي يتمثل في آلاف الخوادم ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد، ما يعني استهلاكًا للطاقة والموارد غالبًا ما يمر دون انتباه.
احتياج العالم الرقمي للطاقة
تُظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) تأثير التحول التكنولوجي على قطاع الطاقة بوضوح. فقد بلغ استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء نحو 485 تيراواط/ساعة في عام 2025، ومن المتوقع أن يقفز إلى حوالي 950 تيراواط/ساعة بحلول 2030، أي ما يقارب الضعف خلال خمس سنوات فقط. ولا يُعزى هذا الاستهلاك بالكامل للذكاء الاصطناعي، إذ تشكل مراكز البيانات البنية التحتية لخدمات الإنترنت والحوسبة السحابية، غير أن انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية القدرة الحاسوبية يعد من المحركات الرئيسية لهذا الطلب المتصاعد.
لا تقتصر المسألة على كمية الكهرباء المستهلكة، بل تمتد إلى مصادر إنتاجها. فاستمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري في توليد الطاقة يطرح تساؤلات مناخية ملحة مع توسع البنية التحتية الرقمية.
ماذا عن المياه؟
عند مناقشة الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي يبرز استهلاك الطاقة غالبًا، بينما يحظى استهلاك المياه باهتمام أقل. تطلق المعالجات القوية في مراكز البيانات كميات كبيرة من الحرارة، ويتطلب التحكم فيها تقنيات تبريد متنوعة تعتمد بعضها على تبخر الماء، بينما تستخدم أنظمة مغلقة. يختلف استهلاك الماء باختلاف التقنية المستخدمة ومناخ المنطقة وطريقة توليد الكهرباء، غير أن الحقيقة الثابتة هي أن الأثر البيئي للخدمات الرقمية لا يقتصر على كهرباء الأجهزة الطرفية.
في مناطق تعاني الجفاف وقلة الأمطار وتتنافس فيها الزراعة والسياحة على الموارد المائية، كما في مدينة أنطاليا التركية، يبرز تساؤل عن مدى محاسبة البنية التحتية الرقمية العالمية المتنامية على حصتها من المياه.
التكنولوجيا تتقدم والبيئة تتأخر؟
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مستهلك للموارد، بل يوفر فرصًا لإدارة أنظمة الطاقة بكفاءة أكبر، وتسريع الأبحاث العلمية، ورصد التغيرات البيئية. لذا فالحل ليس في وقف التقدم التقني، بل في شروط تحقيقه. تعمل شركات التكنولوجيا على تطوير أنظمة تبريد جديدة، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وإعادة استخدام المياه، غير أن انتشار هذه الحلول يجب أن يقترن بالشفافية في الإفصاح عن النتائج.
معرفة الموارد التي تستهلكها التقنيات حقٌ للمجتمع، وقد بات ضروريًا إدراج الاستدامة البيئية ضمن معايير تقييم النجاح التقني إلى جانب السرعة والإنتاجية والعائد الاقتصادي. فالذكاء الاصطناعي يقدم إمكانات هائلة، لكن الاستفادة منها لا ينبغي أن تُنسي المسؤولية تجاه كوكب تتشكل مواردُه مستقبلَ البشرية.



