تواجه صناعة النفط والغاز في فنزويلا أزمة حادة في نقص العمالة الماهرة، ما يعيق جهود تعافي الإنتاج وتحقيق مستهدفات الحكومة برفعه إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً. ورغم تعافي الإنتاج إلى نحو مليون برميل يومياً بعد أن هبط إلى أقل من 500 ألف برميل في 2020، لا تزال العقبات الهيكلية قائمة، أبرزها هجرة الكفاءات وتدني الأجور وضعف المنظومة التدريبية.
تراجع الإنتاج وهجرة الكفاءات
تجاوز إنتاج فنزويلا النفطي ثلاثة ملايين برميل يومياً مطلع القرن الحالي، قبل أن ينهار بسبب سوء الإدارة والفساد والعقوبات الأمريكية. وغادر نحو ثمانية ملايين فنزويلي البلاد خلال فترتي حكم هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو، بينهم آلاف المهندسين والفنيين والمتخصصين في قطاع النفط والغاز، يعملون الآن في أسواق طاقة مثل كولومبيا وكندا والولايات المتحدة وسورينام وإسرائيل.
يقدر أليخاندرو تيران، رئيس رابطة أعمال النفط والغاز في أمريكا اللاتينية ومقرها تكساس، وجود نحو 4800 مهندس نفط وغاز فنزويلي في الولايات المتحدة، و2500 عامل لحام في صناعة الهيدروكربونات بإسرائيل. ويؤكد تيران ضرورة إعادة توظيف الكفاءات المفقودة وتدريب كوادر جديدة في آن واحد، مشيراً إلى أن النقص حاد بشكل خاص بين الفنيين والعمال المباشرين في عمليات الإنتاج.
فجوة الأجور تعيق عودة المهاجرين
يُعد التفاوت في الدخل أحد أكبر العقبات أمام عودة الكفاءات. وبحسب تيران، لا يتجاوز الراتب الأساسي للمهندسين في شركة النفط الوطنية (PDVSA) نحو 200 دولار شهرياً، بينما تصل دخول العاملين في الشركات الخاصة محلياً إلى 2000-3000 دولار، ويبلغ متوسط دخل الفنزويليين في قطاع النفط الأمريكي نحو 5000 دولار شهرياً.
يرى المستشار الإداري غوالبرتو بيلو، صاحب الخبرة الطويلة في القطاع، أن الوطنية لا تكفي لتعويض الأجور المتدنية، قائلاً: "إذا لم تدفع لهم أجوراً وفقاً للمعايير الدولية، فلن يعودوا". ويضيف أن إعادة تدريب عمال من قطاعات أخرى أو استخدام الذكاء الاصطناعي لا يمكنهما سد النقص بسرعة، لأن الصناعة لا تزال تحتاج إلى مهارات يدوية متخصصة في تفتيش خطوط الأنابيب وإصلاحها ولحامها.
شركات عالمية تتوسع وسط صعوبات التوظيف
رغم الصعوبات، تسعى شركات كبرى لتوسيع عملياتها. في أغسطس الماضي، منحت واشنطن وكاراكاس شركة "نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز" (NABEP) حق استغلال 17 حقلاً نفطياً لمدة 100 عام، وتمتلك وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) حصة 35% في الشركة الأم. وأعلنت شركات بي بي وريبسول وإيني خططاً للتوسع، بينما تعتزم شيفرون، الموجودة منذ أكثر من قرن، مضاعفة إنتاجها عبر مشروع توسعة بقيمة سبعة مليارات دولار.
يمثل شيفرون ميزة في التوظيف لبقائها في البلاد، إلا أن مدير التوظيف فيها أقر بصعوبة العثور على عمالة ماهرة، خاصة عمال اللحام، ما دفع الشركة لإنشاء مدارس مهنية لتدريب كهربائيين وعمال بناء. وإلى جانب النقص المحلي، تعيق إجراءات التأشيرات البطيئة استقدام خبراء أجانب، وفق كارلوس بورخيس، مسؤول تنفيذي في قطاع خدمات النفط والغاز.
نظام تعليمي عاجز عن تلبية الطلب
انخفضت القوى العاملة في ولاية زوليا، المركز التاريخي للصناعة، بشكل كبير. ويشير خوليو مولينا، عميد كلية الهندسة في جامعة فنزويلا المركزية، إلى أن 4 فقط من 52 مهندساً تخرجوا الشهر الماضي تخصصوا في هندسة البترول، ورغم ارتفاع عدد الدارسين للتخصص إلى 125 طالباً، يظل العدد غير كافٍ للاحتياجات قصيرة الأجل.
إرث الفصل السياسي وقمع الكفاءات
يعود النقص الحالي أيضاً إلى اضطرابات عقود مضت. ففي 2002-2003، فصل تشافيز 19 ألف موظف من PDVSA بعد إضراب مناهض للحكومة، ما أفقد القطاع كوادر خبيرة. ويقدر رافائيل راميريز، وزير النفط السابق ورئيس PDVSA في عهد تشافيز، أن نحو 30 ألف عامل وموظف ومدير غادروا الشركة بسبب القمع الداخلي في عهد مادورو والصعوبات العامة.
وبحسب منظمات حقوق الإنسان، أُلقي القبض منذ 2024 على 77 موظفاً في PDVSA بتهم تشمل التهريب والتخريب والفساد، بعد مطالبتهم بتحسين الأجور وظروف العمل، ولم ترد الشركة على طلبات التعليق.
الأفق السياسي شرط لعودة الكفاءات
ترتبط قضية الموارد البشرية بالآفاق السياسية. فقد عادت ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الحائزة على جائزة نوبل للسلام 2025، إلى البلاد الأسبوع الماضي بعد نحو عشرة أشهر في المنفى. وفي مقابلة مع فايننشال تايمز، أكدت أن المهاجرين لن يعودوا طالما بقيت الحكومة التي أجبرتهم على المغادرة في السلطة، مشددة على ضرورة استقطاب العائدين من مهندسين ومحامين وأطباء وممرضين ومعلمين.
وبالنسبة لقطاع النفط والغاز، فإن زيادة الإنتاج لا تعتمد فقط على اتفاقيات الاستثمار والاستكشاف، بل أيضاً على تحسين الأجور وظروف العمل، والقدرة على الاحتفاظ بالعمال.



