تتفاقم الأزمة الصحية في إندونيسيا جراء حرائق الغابات والأراضي المستمرة منذ أشهر، حيث يلف الضباب الدخاني الكثيف مناطق واسعة مسببًا ارتفاعًا حادًا في أمراض الجهاز التنفسي والوفيات. وتؤثر الأزمة على ملايين السكان في إندونيسيا والدول المجاورة، وسط تحذيرات خبراء من مخاطر صحية طويلة الأمد تستدعي سياسات وقائية عاجلة.
أرقام صحية مقلقة
سجلت وزارة الصحة الإندونيسية 333,470 حالة إصابة بعدوى تنفسية حادة في سبع مقاطعات هي الأشد تضررًا في سومطرة وكاليمانتان، خلال الفترة من 18 أغسطس إلى 21 أكتوبر 2026، بينها أكثر من 75,170 حالة بين الأطفال دون الخامسة. وقدر مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) أن التعرض قصير الأمد لتلوث الهواء الناجم عن الحرائق ساهم في 5,200 وفاة في أغسطس وسبتمبر وحدهما، منها 3,560 وفاة في سبتمبر وحده، أي أكثر من ضعف تقدير أغسطس البالغ 1,700 وفاة. وربط التقرير 94% إلى 99% من وفيات تلوث الهواء في أربع مقاطعات بكاليمانتان، وأكثر من 80% في عدة مقاطعات بسومطرة، بالضباب السام.
وفيات وحالات فردية
في باليكبابان، عاصمة كاليمانتان الشرقية، أصيبت طفلة بعمر 20 شهرًا بالتهاب رئوي ربطه الأطباء بالدخان المتصاعد، بينما توفيت الرضيعة يازلين سيانينديتا (14 شهرًا) في ساماريندا بعد ضيق تنفس مفاجئ، وتشتبه عائلتها في أن الضباب الدخاني سبب الوفاة. كما لقي 10 أشخاص على الأقل حتفهم أثناء مكافحة الحرائق في بورنيو وسومطرة وجاوا، بينهم المتطوع نوردين (51 عامًا) الذي توفي في 21 أكتوبر بعد آلام صدرية وضيق تنفس أثناء إخماد حريق، وأشارت تقارير طبية إلى احتمال "تسمم بالدخان" مع عدم توفر معدات تنفس مناسبة للمتطوعين.
أزمة عابرة للحدود
امتد تأثير الضباب إلى سنغافورة وماليزيا والفلبين وتيمور الشرقية. في ماليزيا، قفزت إصابات الجهاز التنفسي العلوي 167% والربو 127% والتهاب الملتحمة 83% في الفترة من 6 إلى 12 سبتمبر، وقدر تقرير بتكلفة 8 مليارات رينغيت ماليزي (1.97 مليار دولار) و1,700 وفاة. وفي سنغافورة، سجلت 14 يومًا متتاليًا من الهواء "غير الصحي" حتى 18 أكتوبر، مطابقة لأزمة 2015، مع زيادة 10% إلى 30% في مراجعات العيادات لأعراض متعلقة بالضباب، وأعيد تفعيل دعم علاج الحالات المرتبطة بالضباب لأول مرة منذ 2015.
تحذيرات من آثار طويلة المدى
حذر خبراء الصحة من أن التعرض المتكرر للجسيمات الدقيقة (PM2.5) يرتبط بأمراض القلب والأوعية الدموية وتأثيرات على نمو الأطفال، وقد يسبب تراجعًا دائمًا في وظائف الرئة وزيادة خطر السرطان. وقالت الدكتورة فني فترياني توفيق إن "الدخان قد يختفي لكن الالتهاب الحاد الذي يسببه يظل يشكل تهديدات طويلة المدى".
دعوات لسياسات وقائية
انتقد خبراء تأخر الاستجابة الحكومية، مشيرين إلى تحذيرات مبكرة من ظاهرة النينيو الشديد منذ مارس، بينما خُفضت ميزانية الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث (BNPB) بنسبة 75% لعام 2026، مما قيد قدرتها على الاستجابة الطارئة. وطالب الدكتور مرسين إسبايوبوترا بإنذارات مبكرة قائمة على قراءات جودة الهواء، وتجهيز المرافق الصحية لمواجهة موجات الأمراض التنفسية، داعيًا إلى التحول من السياسات التفاعلية إلى الوقائية، معتبرًا منع الحرائق "الأولوية الرئيسية".



