يُعد الهيدروجين مصدر طاقة محوريًا لمستقبل منخفض الكربون، إذ لا ينبعث منه سوى الماء عند الاحتراق، غير أن طرق الإنتاج الحالية لا تزال مصحوبة بانبعاثات غازات دفيئة. وتُظهر البيانات أن أكثر من 90% من الهيدروجين المنتج عالميًا يُصنف ضمن النوعين "الرمادي" عبر إصلاح الميثان بالبخار، و"الأزرق" المصحوب بتقنيات التقاط الكربون وتخزينه، بينما لا تتجاوز حصة "الهيدروجين الأخضر" المنتج بالتحليل الكهربائي باستخدام الطاقات المتجددة نسبة ضئيلة.
طلب متصاعد وفرص استثمارية ضخمة
يبلغ الاستهلاك العالمي للهيدروجين حاليًا 97 مليون طن سنويًا، تمتص المصافي نصفها لتحويل النفط الخام إلى مشتقات. وتشير التوقعات إلى أن الطلب سيرتفع ستة أضعاف خلال 25 عامًا ليصل إلى 125-585 مليون طن سنويًا، ما يفتح آفاقًا مالية واسعة، غير أنه يفرض تحديات تقنية تستدعي استراتيجيات متعددة الجوانب لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050.
الصناعات الثقيلة.. تحدي إزالة الكربون
يمكن لكفاءة الطاقة والكهربة والطاقات المتجددة خفض الانبعاثات بنسبة 70%، إلا أن قطاعات الصلب والإسمنت والألمنيوم - التي تتطلب درجات حرارة تتجاوز 1000 درجة مئوية - تحتاج مقاربة مختلفة. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على هذه المواد بنسبة 80% بحلول 2050 مدفوعًا بتوسع البنية التحتية للطاقة المتجددة.
يوفر الهيدروجين حلًا بصفته عنصرًا شديد التفاعل وناقلًا للطاقة؛ إذ يمكن حرقه لتوليد حرارة قصوى ينجم عنها بخار ماء فقط، كما يمكنه استبدال الوقود الأحفوري في عمليات الاختزال والتفاعل. وتشير الدراسات إلى أن استبدال الفحم بالهيدروجين في معالجة خام الحديد يخفض انبعاثات صناعة الصلب بنسبة 80%.
تقنيات الإنتاج.. من الرمادي إلى الأزرق والأخضر
تهيمن الوقود الأحفوري غير المنظمة، ولا سيما الغاز الطبيعي، على إنتاج الهيدروجين. وتطلق عملية إصلاح الميثان بالبخار نحو 12 طنًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن هيدروجين، مساهمة بأكثر من 2% من الانبعاثات الكربونية العالمية سنويًا.
يقدم التحليل الكهربائي مسارًا لـ "الهيدروجين الأخضر" النقي باستخدام الطاقة الشمسية أو الرياح، غير أن توسيع سعة المحللات الكهربائية عالميًا يستغرق وقتًا. وفي المدى القريب، يبرز "الهيدروجين الأزرق" كحل عملي قابل للتطبيق، حيث يُدمج التقاط الكربون وتخزينه مع الوحدات القائمة، ما يمكّن من امتصاص 99% من الانبعاثات.
كما يُجرى استكشاف تقنية الإصلاح الذاتي الحراري (ATR) التي تحرق جزءًا من الوقود بالأكسجين، وتحقق عند دمجها مع التقاط الكربون كفاءة طاقية أعلى وتكاليف استثمارية أقل وعملية تصنيع أبسط.
وحدات فصل الهواء.. ركيزة السلامة والكفاءة
يفتح استخدام الأكسجين كمادة أولية آفاقًا لوحدات فصل الهواء (ASU) التي تفصل الهواء الجوي إلى أكسجين ونيتروجين وأرجون عبر التقطير المبرد، منتجةً منتجات سائلة وغازية عالية الجودة والحجم. وتؤدي هذه الوحدات، إلى جانب تحليل الغازات الدقيق، دورًا حاسمًا في ضمان سلامة إنتاج الهيدروجين وكفاءته واستدامته، مما يجعله مكونًا واقعيًا في مستقبل الطاقة.



