تضع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي أسفرت عن سيطرة شبه رسمية للحزب الديمقراطي على مجلسي الكونجرس، العلاقات المصرية الأمريكية أمام مرحلة جديدة من التساؤلات بشأن مستقبل التعاون بين القاهرة وواشنطن. وبحسب النتائج الأولية التي أوردتها وكالة "بي بي سي" الأمريكية حتى الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت القاهرة، فاز الديمقراطيون بـ225 مقعدًا في مجلس النواب مقابل 137 مقعدًا للجمهوريين من إجمالي 435 مقعدًا.
علاقات استراتيجية تتجاوز نتائج الانتخابات
يرى الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، أن انتخابات التجديد النصفي لن تغير ثوابت العلاقة بين القاهرة وواشنطن، لكنها قد تؤثر على أدوات الرقابة التي يستخدمها الكونجرس، وطريقة إدارة المواجهة مع إيران وتداعياتها على المنطقة. وأوضح مهران أن العلاقات المصرية الأمريكية تقوم على مصالح استراتيجية راسخة منذ معاهدة السلام عام 1979، مشيرًا إلى أن المساعدات الأمريكية السنوية لمصر تبلغ نحو 2.1 مليار دولار، منها 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية.
أضاف مهران أن الإدارة الأمريكية الحالية أعفت، في سبتمبر، مبلغ 320 مليون دولار من شروط حقوق الإنسان، تقديرًا للدور المصري الذي وصفه بالمفيد عقب الحرب على إيران، معتبرًا أن ذلك يعكس أهمية القاهرة باعتبارها شريكًا في دعم الاستقرار الإقليمي. وفي ضوء سيطرة الديمقراطيين، تبرز احتمالات عودة الرقابة بصورة أكبر على ملف المساعدات، مقارنة بالمسار الذي كان يمكن أن يستمر حال احتفاظ الجمهوريين بأغلبية الكونجرس.
دور مصر المحوري في ملفي غزة وإيران
أشار مهران إلى أهمية الدور المصري بالنسبة للنظرة الأمريكية، خاصة في ملفات غزة والوساطة مع إيران، وهو ما يجعل حدوث بعض التوترات في العلاقات بين القاهرة وواشنطن أمرًا مستبعدًا. ويتفق هذا التقدير مع رؤية إيرينا تسوكرمان، محامية الأمن القومي الأمريكي والمحللة السياسية وعضوة الحزب الجمهوري، التي ترى أن استمرار الأغلبية الجمهورية كان سيجعل من الأسهل على ترامب مواصلة التعاون العسكري مع مصر والدفاع عن المساعدات الأمريكية المقدمة إليها في مواجهة الاعتراضات داخل الكونجرس.
أشارت تسوكرمان إلى أن المشرعين الجمهوريين يولون أهمية أكبر لدور مصر في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، لا سيما في ظل استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران.
الحرب مع إيران وتأثيرها على قناة السويس وأسواق الطاقة
لا تقتصر انعكاسات نتائج انتخابات الكونجرس على العلاقات السياسية فقط، إذ تبرز الحرب مع إيران باعتبارها أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالمصالح الاقتصادية المصرية، خصوصًا في ظل تداعيات التوترات الأمنية على الملاحة البحرية وأسعار الطاقة. وفي هذا السياق، يرى نعمان أبو عيسى، المحلل السياسي وعضو الحزب الديمقراطي، أن سيطرة حزبه على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو كليهما قد تفضي إلى تهدئة الحرب مع إيران، بما ينعكس إيجابيًا على المنطقة، وإن كان الديمقراطيون قد يضعون بعض الشروط على المساعدات الأمريكية لمصر.
أشارت تسوكرمان إلى أن استمرار المواجهة مع إيران قد يفاقم الضغوط على الاقتصاد المصري، بعدما دفعت هجمات الحوثيين والتهديدات التي تستهدف الملاحة شركات شحن إلى تجنب البحر الأحمر، بما ينعكس على إيرادات قناة السويس. ولفتت إلى اعتماد مصر على عائدات القناة في توفير العملة الأجنبية، معتبرة أن استمرار الاضطرابات البحرية سيزيد صعوبة تمويل الواردات والوفاء بالالتزامات المالية الخارجية.
سيناريوهات تهدئة المواجهة وانعكاساتها الاقتصادية
يقدم نعمان أبو عيسى قراءة تربط بين سيطرة الديمقراطيين واحتمالات تهدئة المواجهة مع إيران، وانخفاض أسعار الطاقة، وتحسن حركة التجارة عبر قناة السويس. ويرى أبو عيسى أن تراجع حدة الحرب قد ينعكس إيجابيًا على مصر، سواء من خلال انخفاض أسعار الطاقة أو تحسن حركة مرور السفن والتجارة عبر القناة، فضلًا عن تأثير التهدئة على السياحة والاستثمارات في المنطقة.
في المقابل، حذر من أن استمرار الجمهوريين في السيطرة على الكونجرس كان سيُبقي الأوضاع على مسارها الحالي، مع احتمالات اتساع المواجهة الأمريكية الإيرانية وامتداد تداعياتها إلى مضيق باب المندب، بما يهدد حركة الملاحة في قناة السويس. وأشار إلى أن ما تشهده المنطقة حاليًا قد يكون صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث مستقبلًا إذا توسعت الحرب بقرار من ترامب، موضحًا أن الضربات الأمريكية الموجعة لإيران قد يقابلها رد بضربات مؤثرة في المنطقة، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاطر التي تواجه الممرات البحرية وتباطؤ تدفق السفن عبر قناة السويس.



