ناقشت جلسة «خيارات الطاقة والمياه التي ترسم ملامح المستقبل في ظل اعتياد الطوارئ»، ضمن فعاليات اليوم الثاني من منتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026» الذي ينظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية، سبل تعزيز أمن الطاقة والمياه في المنطقة العربية، وقدرة الاقتصادات العربية على مواجهة الأزمات المتكررة عبر التكامل الإقليمي وحشد الاستثمارات وتطوير البنية التحتية.
دعوة لإصلاحات هيكلية وتكامل إقليمي
أكد الدكتور خالد سليمان السعيد، رئيس مجلس إدارة شركة الخزانة كابيتال، أن تجاوز الأزمات الاقتصادية يرتبط بامتلاك برامج إصلاح وطنية واضحة وجدية في تنفيذها، مشيرًا إلى أن الفارق بين الاقتصادات الناجحة يكمن في استمرارية الإصلاح. وأضاف أن البرامج الإصلاحية تحتاج إلى تبني مجتمعي وتواصل واضح مع المواطنين، محذرًا من أن عدم اتخاذ القرارات الضرورية يترتب عليه تكاليف أكبر مستقبلًا.
وشدد السعيد على ضرورة الانتقال من التعامل المنفصل مع المشروعات إلى التكامل الإقليمي، مستشهدًا بخبرات السعودية في تحلية المياه ومشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية كنموذج عملي للتعاون، داعيًا لتعميم هذه التجارب عربيًا. وطالب بإعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى بجدية، موضحًا أن التجارة البينية العربية لا تتجاوز 13% مقابل 60% في الاتحاد الأوروبي، رغم تقارب عدد السكان (470 مليونًا عربيًا مقابل 450 مليونًا أوروبيًا) وتوفر موارد متنوعة. وتوقع أن يسهم إطلاق السوق العربية المشتركة في توفير نحو 5 ملايين فرصة عمل خلال 3-4 سنوات.
ندرة المياه وتكلفة الفرصة البديلة
حذر محمد فريد بلحاج، نائب رئيس البنك الدولي سابقًا، من أن ندرة المياه تمثل تحديًا هيكليًا رئيسيًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، داعيًا لتخصيص 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في قطاع المياه لتجنب خسائر تصل إلى 14% من الناتج بسبب سوء الإدارة. وأكد أن الاستثمار المطلوب محدود مقارنة بالعوائد، داعيًا لاستراتيجية طويلة الأجل تتجاوز تدخلات «إطفاء الحرائق» العاجلة.
ونبه بلحاج إلى مخاطر تسعير المياه دون دعم حكومي بشكل يؤدي لاضطرابات اجتماعية، مطالبًا بتعريفات عادلة وتدريجية وشراكات بين القطاعين العام والخاص. وحذر من تحول دول المنطقة إلى مجرد مستضيفين لمراكز بيانات تستهلك الموارد الطبيعية بينما تنتقل القيمة الاقتصادية للخارج، داعيًا لبناء سلاسل قيمة محلية وإقليمية تعظم العائد من الاستثمارات التكنولوجية.
دور القطاع الخاص وتجربة القلعة
أوضح هشام الخازندار، الشريك المؤسس والعضو المنتدب لمجموعة القلعة، أن الصدمات الخارجية المتكررة تعيق النمو وتدفع الحكومات لإبطاء الإصلاح، مستشهدًا بتعطيل مشروع الشركة المصرية للتكرير (استثمارات 4.5 مليار دولار) خلال الربيع العربي، قبل استكماله وبدء الإنتاج عام 2019 ليسهم في إحلال واردات المنتجات البترولية.
أكد الخازندار أن الاستثمار العربي البيني ينمو لكنه أقل من الإمكانات بسبب نقص الأطر التنظيمية وضعف الالتزام الحكومي بإزالة المعوقات، داعيًا لتفعيل السوق المشتركة. وشدد على ضرورة تسعير الموارد (المياه، الكهرباء، المنتجات البترولية) بصورة تعكس التكلفة الحقيقية مع شبكات أمان اجتماعي، معتبرًا الدعم الحالي نموذجًا غير مستدام. ولفت إلى أن مصر زادت استثمارات تحلية المياه، لكن التسعير دون التكلفة يعيق جذب استثمارات البنية التحتية اللازمة.
تحديات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي
اتفق المتحدثون على أن التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، ما يستدعي دراسة التكلفة الاقتصادية والبيئية. أوضح الخازندار أن المنطقة يمكنها الاعتماد على أنظمة تبريد مغلقة تعيد تدوير المياه، واستغلال وفرة الطاقة الشمسية كميزة تنافسية بشرط الاعتماد على المتجددة. وحذر من تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف البرمجة الأساسية، داعيًا لاستعداد مبكر لوضع سياسات تتعامل مع تحولات سوق العمل.



