أصبحت الانتخابات الأمريكية عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، بعد فوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي يوم 3 نوفمبر 2026. تتجه الأنظار إلى مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إيران وإمكانية احتواء المواجهة العسكرية وفتح مسار تفاوضي ينهي التوتر الذي ألقى بظلاله على أسواق النفط خلال الأشهر الماضية.
تحول سياسي قد يعزز فرص التهدئة
قال الدكتور كرم سلام، الخبير الاقتصادي وعميد كلية العلوم الإدارية بجامعة باشن العالمية، إن فوز الديمقراطيين بأغلبية المجلسين يمنحهم قدرة أكبر على التأثير في التشريعات وممارسة الرقابة على الإدارة خلال العامين المقبلين. لكنه أوضح أن ذلك لا يعني بالضرورة تغيير السياسة الخارجية أو انتهاء الحرب مع إيران، حيث يظل الرئيس صاحب الدور المحوري في إدارة ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي، بينما يمتلك الكونجرس أدوات التأثير من خلال التشريعات والتمويل والرقابة.
أشار سلام إلى أن الضغوط السياسية الداخلية، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، قد تزيد من أهمية الحلول الدبلوماسية، إلا أن التوصل إلى اتفاق يظل مرتبطًا بمواقف واشنطن وطهران وشروط التسوية بين الطرفين.
أسعار النفط تحت ضغط الحرب.. والتهدئة كلمة السر
شهدت أسواق النفط تقلبات حادة خلال 2026 نتيجة المخاطر العسكرية واضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. وفقًا لتقرير أكتوبر 2026 لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط خام برنت نحو 114 دولارًا للبرميل في سبتمبر، ووصل إلى نحو 131 دولارًا يوم 15 سبتمبر، مع توقف إنتاج نفطي بمتوسط 4.8 مليون برميل يوميًا خلال الشهر نفسه.
توقعت الإدارة متوسطًا لخام برنت عند 105 دولارات للبرميل خلال الربع الأخير من 2026، مع احتمالات تراجع المتوسط إلى 87 دولارًا في الربع الثاني من 2027 ثم 74 دولارًا في الربع الأخير من العام حال عودة الإمدادات تدريجيًا إلى الأسواق. أكد سلام أن العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار ليس نتائج الانتخابات وحدها، وإنما مدى استعادة الإنتاج النفطي وانتظام حركة الشحن والتجارة الدولية.
إيران ومضيق هرمز.. مفتاح استقرار أسواق الطاقة
أوضح الخبير الاقتصادي أن أي اتفاق لوقف المواجهات العسكرية وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يخفف علاوة المخاطر الجيوسياسية المضافة إلى أسعار النفط، ويدعم عودة الإمدادات إلى الأسواق. أشارت العقود الآجلة لخام برنت إلى تراجع بأكثر من 4% خلال تداولات 2 نوفمبر 2026 لتصل إلى نحو 108.66 دولارًا للبرميل، وسط آمال بإحراز تقدم في الاتصالات الدبلوماسية بين إيران والوسطاء القطريين.
لفت سلام إلى أن الأسواق تتفاعل مع مؤشرات التهدئة حتى قبل انتهاء الحرب فعليًا، لكن استمرار انخفاض الأسعار يتطلب ضمانات أمنية وانتظام حركة الناقلات واستعادة الإنتاج والصادرات، إلى جانب تراجع تكاليف التأمين والشحن.
ثلاثة سيناريوهات تحدد مستقبل النفط
استعرض سلام ثلاثة سيناريوهات للفترة المقبلة: الأول يتمثل في نجاح الوساطات الدولية والتوصل إلى اتفاق سياسي يضمن وقف الحرب وتأمين الملاحة وعودة الإمدادات، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى التراجع وفق توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. السيناريو الثاني يتمثل في استمرار المفاوضات دون اتفاق نهائي، مما يبقي الأسواق في حالة تذبذب مع استمرار تأثر الأسعار بالتطورات السياسية والعسكرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. السيناريو الثالث يتمثل في تعثر المفاوضات وتجدد المواجهات العسكرية أو استهداف المنشآت النفطية والناقلات، مما قد يؤدي إلى ارتفاعات جديدة وحادة في الأسعار خاصة مع صعوبة تعويض الإمدادات المتوقفة بسرعة.
شدد على أن تراجع أسعار النفط ليس نتيجة مضمونة لفوز الديمقراطيين، وإنما يرتبط بمدى تحول الضغوط السياسية إلى اتفاق دبلوماسي فعلي واستعادة تدفقات النفط بصورة مستدامة.
ماذا يعني انخفاض النفط للاقتصاد المصري والمواطن؟
أكد سلام أن تراجع أسعار النفط العالمية يمثل فرصة مهمة للاقتصاد المصري، خاصة في ظل تأثير أسعار الطاقة على فاتورة استيراد المنتجات البترولية والغاز الطبيعي وتكاليف النقل والإنتاج والصناعة. أوضح أن انخفاض الأسعار بصورة مستدامة يمكن أن يساهم في تخفيف فاتورة استيراد الوقود وتقليل الضغوط على النقد الأجنبي وخفض تكاليف الشحن والإنتاج، فضلًا عن الحد من الضغوط التضخمية وتحسين أوضاع الموازنة العامة وفق صافي أثر الأسعار وسعر الصرف وحجم الاستهلاك.
أشار إلى أن انعكاس انخفاض النفط على أسعار البنزين والسولار محليًا ليس تلقائيًا أو فوريًا، إذ تتأثر الأسعار أيضًا بسعر صرف الدولار وتكاليف التكرير والاستيراد والنقل والسياسة المالية وآلية التسعير المحلية.
مصر أمام فرصة لتعزيز أمن الطاقة
أكد الدكتور كرم سلام أهمية استغلال الانخفاض المستدام لتقليل فاتورة الاستيراد والضغط على النقد الأجنبي، مع تكوين احتياطيات استراتيجية مناسبة من المنتجات البترولية لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية. شدد على ضرورة مواصلة التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، وتوجيه أي وفر مالي ناتج عن انخفاض تكلفة الطاقة إلى دعم الإنتاج والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تطوير منظومة النقل العام والسكك الحديدية والنقل الكهربائي لخفض استهلاك الوقود.
أكد أهمية متابعة أسعار النفط وسعر الصرف وتكاليف الشحن والتأمين بصورة متكاملة، وعدم بناء السياسات الاقتصادية على افتراض استمرار انخفاض الأسعار في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.


