تتقدّم المبادرة القطرية للاستثمار في قطاع الكهرباء اللبناني بخطوات ملموسة، إذ انتقل الملف من مرحلة الإعلان عن النوايا إلى مناقشة تفاصيل التنفيذ والتمويل وتوريد الغاز الطبيعي المسال بأسعار تنافسية تقل عن مثيلاتها في دول الجوار، ما يتيح للبنان هامش ربح أعلى عند بيع الكهرباء للمواطنين.
تفاصيل البرنامج الاستثماري القطري
في منتصف تشرين الأول الماضي، كُشف عن برنامج يتضمن إنشاء محطتين لإنتاج الكهرباء في دير عمار والزهراني بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، بإجمالي 1650 ميغاواط. كما يشمل الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، وتوريد الغاز الطبيعي المسال بموجب عقد طويل الأجل يمتد عشرين عامًا، مع إنشاء بنية تحتية لاستيراده وإعادة تغويزه. يضاف إلى ذلك الاستثمار في طاقة الرياح بقدرة 440 ميغاواط، وأنظمة تخزين بالكهرباء، واستجرار نحو 300 ميغاواط من سوريا.
صيغة التنفيذ والالتزامات المالية
سيُنفذ المشروع وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، حيث تتولى الجهات القطرية التمويل والإنشاء والتشغيل دون استثمارات أولية من الخزينة اللبنانية. غير أن لبنان سيظل ملزمًا بدفع ثمن الغاز المستورد وكلفة التشغيل والطاقة المشتراة، عبر ما يسدده المواطنون والالتزامات التعاقدية النهائية. ونقل كلفة الاستثمار الأولية إلى القطاع الخاص لا يعفي الدولة من مسؤولية تأمين القدرة على الدفع.
الشروط الإصلاحية لضمان الاستدامة
بحث وزير المالية ياسين جابر مع وفد من مؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة للبنك الدولي المشروع القطري، مشددًا على أن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي، وأن نجاح أي استثمار جديد يرتبط بقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تحصيل مستحقاتها وضبط الهدر وتحسين الإدارة. ويحتاج المستثمرون إلى ضمانات واضحة لتحصيل مستحقاتهم، وآليات دفع مستقرة، وبيئة قانونية وإدارية تحد من المخاطر السياسية والمالية. وتشكل معالجة الهدر الفني وغير الفني، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتفعيل الهيئة الناظمة، وإعادة تنظيم المؤسسة، شروطًا أساسية لجعل القطاع قابلًا للاستثمار والاستدامة.
تحديات التنفيذ وآفاق القطاع
تعاني مؤسسة كهرباء لبنان من ضعف الجباية، وتراكم مستحقات على الإدارات والمؤسسات العامة، وأعباء الإعفاءات والأضرار التي لحقت بالشبكة في الجنوب. ويبدو العرض القطري فرصة جدية لإعادة بناء القطاع، لا سيما مع تأمين الغاز بأسعار تنافسية واستثمارات لا تتطلب إنفاقًا أوليًا من الخزينة. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة على تحويل العرض إلى عقود قابلة للتنفيذ، وإجراء الإصلاحات التي تجعل المؤسسة قادرة على الإنتاج والبيع والتحصيل وتسديد التزاماتها، لتتحول الكهرباء من عبء مزمن على المالية العامة إلى قطاع يغطي نفقاته ويمول تطويره.



