شهدت الجولة الخارجية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى روسيا والمجر خلال الفترة من 28 إلى 30 أكتوبر 2026 حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا استهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع موسكو وفتح آفاق تعاون واسعة مع بودابست في قطاعات الطاقة والاستثمار والأمن، بالتزامن مع انعقاد القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو.
الشراكة الاستراتيجية مع روسيا ومشروعات كبرى
شكل لقاء الرئيس السيسي بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين المحور الأبرز للجولة، حيث تركزت المباحثات على متابعة تنفيذ المشروعات المشتركة العملاقة، وفي مقدمتها محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء والمنطقة الصناعية الروسية المزمع إقامتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما تناول الجانبان توسيع التعاون ليشمل التجارة والصحة والسياحة والتعليم والبحث العلمي، بما ينقل العلاقات من المشروعات الاستراتيجية إلى مجالات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والخدمي.
على الصعيد السياسي، تبادل الرئيسان الرؤى حول تطورات الشرق الأوسط مؤكدين ضرورة خفض التصعيد، وأشاد بوتين بالدور المحوري لمصر. كما ناقشا تطورات القرن الأفريقي، حيث جدد السيسي تمسك مصر بسيادة الدول وسلامة أراضيها، ورفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، مؤكدًا أن قضية المياه وجودية لمصر.
قمة روسيا أفريقيا الثالثة: رؤية مصرية للتكامل
شارك الرئيس السيسي في أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة التي استضافتها موسكو يومي 28 و29 أكتوبر، وألقى كلمة مصر في الجلسة العامة التي اعتمدت وثائق هامة منها الإعلان الختامي وإعلان التعاون في الاستخدام المدني للذكاء الاصطناعي وخطة عمل منتدى الشراكة للفترة 2027-2029. طرح السيسي رؤية تقوم على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى مشروعات عملية تخدم شعوب القارة عبر خمسة محاور: تطوير الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، زيادة التجارة البينية، تعزيز الربط في الطاقة والكهرباء، دعم الأمن المائي والغذائي، وتوسيع التعاون في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.
دعا الرئيس إلى إصلاح منظومة الحوكمة الدولية ومجلس الأمن لضمان تمثيل أفريقي عادل، ورفض عسكرة البحر الأحمر أو وجود عسكري لدول غير مشاطئة، مؤكدًا دعم مصر لوحدة السودان وإنهاء الحرب عبر مسار سياسي سوداني.
آفاق تعاون جديدة مع المجر في الطاقة والغاز
في المحطة الثانية بالعاصمة بودابست، عقد السيسي مباحثات مع رئيس الوزراء المجري بيتر ماجار، أسفرت عن اتفاق على بدء محادثات استكشافية للاستفادة من البنية التحتية المصرية المتطورة في قطاع الغاز، وشبكات نقل الغاز، ومرافق استقبال وإعادة تداول الغاز الطبيعي المسال، تمهيدًا لتحديد فرص التعاون الفنية والتجارية. تكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية نظرًا لموقع مصر الجغرافي ودورها الإقليمي في تداول الطاقة.
تناولت المباحثات أيضًا تعزيز الاستثمارات المجرية في مصر والاستفادة من المزايا التنافسية للسوق المصري واتفاقيات التجارة النافذة لأفريقيا والمنطقة العربية، والفرص في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في إطار العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة فيشجراد لفتح مجالات أوسع للتعاون الاقتصادي.
أمن إقليمي ومكافحة الهجرة وقضايا مشتركة
اتفق الرئيس السيسي ورئيس الوزراء المجري على تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير الشرعية ومواجهة الإرهاب وتأمين الحدود وحماية ممرات التجارة الدولية. تبادلا الرؤى حول القضية الفلسطينية، حيث جدد السيسي التأكيد على حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع رفض تهجير الفلسطينيين. كما تطرقت المباحثات للأوضاع في السودان والقرن الأفريقي والصومال والأزمة الأوكرانية، مع التأكيد على سيادة الدول والحلول السياسية. اتفق الجانبان على العمل المشترك للاحتفال بمرور مائة عام على العلاقات الدبلوماسية المصرية المجرية عام 2028، ووجه السيسي دعوة للقيادة المجرية لزيارة مصر.


