حذر الاقتصادي الكولومبي ووزير المناجم والطاقة السابق أميلكار دي أكوستا ميدينا من مخاطر السعي الحثيث للتخلي عن النفط والغاز الطبيعي قبل توفر بدائل كافية، واصفًا تصور عالم خالٍ من الهيدروكربونات بأنه "ديستوبيا" قد تقود إلى أزمات في الإمدادات والطاقة والمواد الأساسية.
التحولات لا تُفرض بالمراسيم
استعرض أكوستا ميدينا تاريخ التحولات الطاقية، مشيرًا إلى أن الانتقال من الخشب إلى الفحم ثم إلى النفط لم يلغِ المصادر السابقة، بل تعايشت معها. وأكد أن الأزمة النفطية عام 1973 دفعت القوى الكبرى لتنويع مصادرها، ومع ذلك لا تزال المصادر الأحفورية الثلاث (النفط والغاز والفحم) تشكل 87% من المزيج الطاقي العالمي.
رأى أن الاعتقاد بإمكانية الاستغناء عن النفط والغاز في المستقبل القريب بمجرد قرار سياسي هو "وهم" يتجاهل الواقع التكنولوجي والصناعي والاقتصادي، مشددًا على أن "التحولات الطاقية لا تُفرض بالمراسيم: تُبنى".
أكثر من مجرد وقود
أوضح الكاتب أن النفط والغاز يمدان العالم ليس بالطاقة فحسب، بل بمدخلات حيوية لآلاف المنتجات: الأسمدة، الألياف الصناعية، الدهانات، المنظفات، التغليف، ومكونات الحواسيب والهواتف. وفي القطاع الصحي، تدخل المشتقات البتروكيميائية في تصنيع المسكنات (باراسيتامول، إيبوبروفين، أسبرين)، والحقن، والقفازات الجراحية، والأطراف الصناعية، وأجهزة التشخيص.
لفت إلى أن استبدال سيارة احتراق داخلي بأخرى كهربائية لا يحل وحده اعتماد المجتمع على الهيدروكربونات، لأن تقنيات التحول الطاقي نفسها (ألواح شمسية، توربينات رياح، بطاريات) تتطلب موادًا مشتقة من الهيدروكربونات وتستخدم وقودًا أحفوريًا في مراحل تصنيعها ونقلها وتركيبها.
إزالة الكربون تتطلب بدائل واقعية
أقر أكوستا ميدينا بضرورة مواجهة التغير المناخي، لكنه دعا إلى معالجة التحول بجدية وعلمية وواقعية. النجاح يعتمد على القدرة الفعلية على تحويل أنظمة الإنتاج والاستهلاك، وتقليل الطلب قبل تقييد العرض، في حين تظهر السجلات أن الاستهلاك لا يزال في ازدياد.
الحل برأيه يكمن في تنويع المزيج الطاقي، وتوسيع مصادر منخفضة الانبعاثات، وكهربة الاستخدامات القابلة لذلك، وتحسين كفاءة الطاقة، مع خفض انبعاثات الأنشطة التي ستستمر في استخدام الهيدروكربونات وتطوير بدائل للعمليات التي يصعب استبدالها حاليًا.
لا تحول مستدام دون أمن طاقي
شدد على أن التاريخ يثبت أن أي تحول طاقي كبير لم يؤدِ إلى اختفاء فوري للمصدر السابق. العالم اليوم يواجه تحديًا مزدوجًا: إزالة الكربون وضمان أمن الطاقة، ويجب أن يسيرا معًا. التحول المتسرع دون بنية تحتية وتخزين وشبكات كهربائية وقدرة احتياطية قد يهدد موثوقية الإمداد، ويرفع التكاليف، ويضر بالتنافسية.
أمن الطاقة ركيزة للأمن القومي، ولا يمكن لأي دولة المخاطرة باستمرار الإمداد للمنازل والمستشفيات والنقل والقطاع المنتج. توسع المصادر المتجددة يجب أن يصاحبه أنظمة قادرة على التعويض عند انخفاض توليدها، وتلبية الاستخدامات التي لا يمكن كهربتها بعد.
كولومبيا لا تستطيع القفز في المجهول
في السياق الكولومبي، نبه إلى أن الهيدروكربونات توفر العملة الصعبة، والإيرادات المالية، والإتاوات التي تمول البرامج الاجتماعية واستثمارات الأقاليم عبر نظام الإتاوات العام (SGR). التخلي المبكر عن الاستكشاف والإنتاج دون بدائل مكافئة قد يضعف المالية العامة، ويزيد الاعتماد على الواردات، ويفاقم الاختلال الخارجي.
استشهد بزيادة واردات الغاز الطبيعي منذ ديسمبر 2024، محذرًا من أن استبدال الإنتاج المحلي بالواردات لا يعني إزالة الكربون، بل قد ينقل الإنتاج والوظائف والدخل للخارج، مع زيادة الانبعاثات الناتجة عن نقل الغاز المسال بحرًا.
البراغماتية يجب أن تسود على العقائد
اختتم بالدعوة إلى نقاش مسؤول يحدد كيفية تقليل الاعتماد على الهيدروكربونات تدريجيًا، واستبدال استخداماتها المتعددة، واستغلال الموارد المتاحة بعقلانية ريثما تتوفر البدائل. المستقبل يتطلب علمًا وابتكارًا واستثمارات وسياسات متماسكة، مع الاعتراف بأن أوقات التحول التكنولوجي والإنتاجي لا تتطابق دائمًا مع الجداول السياسية.
الاستغناء المبكر عن النفط دون بدائل كافية وموثوقة هو "تطوع" ذو عواقب اقتصادية واجتماعية ضخمة، وسيضرب الندرة وارتفاع أسعار السلع الأساسية الفئات الأضعف. التحول الطاقي يجب أن يحسن حياة السكان ويوسع فرصهم، ولا يُبنى على شح أو تضحية برفاهيتهم. لذا يجب أن تسود البراغماتية والأدلة على العقائد، وبناء الشروط التي تجعلنا نحتاج نفطًا أقل يومًا بعد يوم، لا التظاهر بأننا نستطيع الاستغناء عنه قبل بنائها.



