بترو نيوز 24الخبر أولاً، والحقيقة دائماً

رئيس مجلس الإدارة: فاطمة الفار

رئيس التحرير: عادل البكل

مقالات

مقترح بمبادرة وطنية لاستقرار تكلفة إنتاج المياه مستوحاة من تجربة أرامكو

مقترح بمبادرة وطنية لاستقرار تكلفة إنتاج المياه مستوحاة من تجربة أرامكو
مقالات · ٢١:٥٩:٢٦ - السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦

في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الكيميائية وقطع الغيار والأجور والخدمات، يبرز تساؤل اقتصادي جوهري: هل يجب أن ترتفع تكلفة الإنتاج تلقائيًا مع ارتفاع أسعار المدخلات؟ أم يمكن للتقنية والابتكار ورفع الإنتاجية أن تكسر هذه المعادلة؟

فلسفة أرامكو في كفاءة التكلفة

ما لفت الانتباه في تجربة أرامكو السعودية ليس فقط ريادتها في صناعة الطاقة، بل فلسفتها الاقتصادية في توظيف التقنيات المتقدمة للمحافظة على تنافسية تكلفة الإنتاج رغم التغيرات المستمرة في بيئة الأعمال. فقد أعلنت أرامكو تحقيق قيمة مالية من توظيف التقنية بلغت 42.4 مليار ريال خلال الفترة 2023–2025، منها 19.9 مليار ريال في عام 2025 وحده، ساهمت حلول الذكاء الاصطناعي بنحو 9.8 مليار ريال. وتشمل هذه القيمة تجنب النفقات وزيادة الإيرادات، وليس فقط الوفورات التشغيلية المباشرة.

واللافت أن أرامكو حافظت على تكلفة استخراج تعد من الأدنى عالميًا، بلغت نحو 3.5 دولارات لكل برميل مكافئ نفطي في عام 2025، مدعومة بمزاياها الجيولوجية والتشغيلية والتكاملية، إلى جانب الاستخدام المتقدم للتقنية. وهذه تكلفة استخراج، وليست التكلفة الشاملة لإنتاج البرميل.

نقل الفلسفة إلى منظومة المياه

تكمن الفلسفة المقترحة في عدم قياس نجاح التقنية فقط بمقدار ما توفره اليوم، بل بقدرتها على مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج غدًا، وتحويل مكاسب الكفاءة إلى استقرار اقتصادي مستدام. لقد اعتدنا في منظومة المياه الحديث عن خفض استهلاك الطاقة والمواد الكيميائية، وتحسين كفاءة المحطات، وتقليل الفاقد وإطالة العمر التشغيلي للأصول. وهي أهداف مهمة، لكنها غالبًا ما تدار كمبادرات منفصلة.

المقترح هو الانتقال إلى فلسفة اقتصادية أشمل، تقوم على المحافظة على تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه عند مستوى مستقر ومستدام لسنوات، من خلال تحقيق مكاسب مستمرة في الكفاءة والإنتاجية تعادل أو تتجاوز الزيادات في تكاليف التشغيل. فإذا ارتفعت تكاليف العمالة والكهرباء والمواد وقطع الغيار، فلا ينبغي التسليم تلقائيًا بارتفاع تكلفة إنتاج المياه بالنسبة نفسها. بل يجب أن تمتلك منظومة الإنتاج القدرة على امتصاص أكبر قدر ممكن من هذه الزيادات من خلال التحسين المستمر، دون الإخلال بجودة المياه أو موثوقية الإمداد.

أدوات اقتصادية لحماية تكلفة الإنتاج

هنا يتحول الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتعلم الآلي، والتوأم الرقمي، والصيانة التنبؤية من مشاريع للتحول الرقمي إلى أدوات اقتصادية لحماية تكلفة الإنتاج. ولإدراك حجم الفرصة، فإن محطة تنتج مليون متر مكعب يوميًا يمكنها تحقيق وفر تشغيلي افتراضي يبلغ 36.5 مليون ريال سنويًا عند خفض تكلفة الإنتاج بمقدار عشر هللات فقط لكل متر مكعب، بافتراض استمرار الإنتاج طوال العام، وقبل احتساب تكاليف تنفيذ التحسينات التقنية.

الذكاء الاصطناعي ليس الهدف بل العائد الاقتصادي

التحول الرقمي لا يعني بالضرورة تحقيق الكفاءة، فقد تستثمر منشأة ملايين الريالات في الأنظمة الذكية دون انعكاس ملموس على تكلفة المتر المكعب. لذلك، يجب الانتقال من سؤال: كم نظامًا ذكيًا طبقنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كم ريالًا وفرت التقنية؟ وكم زيادة مستقبلية في التكاليف استطعنا تجنبها؟ ولا يقتصر ذلك على الذكاء الاصطناعي، بل يشمل تطوير تقنيات المعالجة، وتحسين التصاميم الهندسية، وإدارة الأصول والمشتريات، ورفع الإنتاجية باستخدام البنية التحتية القائمة.

ولا تقاس كفاءة الإنتاج بالتكاليف التشغيلية وحدها، بل بالتكلفة الاقتصادية الكلية للمتر المكعب طوال العمر التشغيلي للأصول، بما يشمل الاستثمارات الرأسمالية والتشغيل والصيانة والاستبدال. فالتميز الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك أحدث التقنيات، وإنما بتحويلها إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس والاستدامة.

نحو مبادرة وطنية لاستقرار تكلفة إنتاج المياه

من هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة إطلاق «مبادرة وطنية لاستقرار تكلفة إنتاج المياه»، تستلهم فلسفتها الاقتصادية من تجربة أرامكو، وتتكامل مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للمياه ورؤية السعودية 2030. ويتمثل الهدف الاستراتيجي لهذه المبادرة في أن يصبح استقرار تكلفة إنتاج المتر المكعب مؤشرًا رئيسيًا للأداء الاقتصادي في منظومة المياه السعودية، إلى جانب مؤشرات الجودة والموثوقية وكفاءة الطاقة.

ويمكن أن تبدأ المبادرة بمحطات مختارة للتحلية والمعالجة، من خلال تحديد تكلفة مرجعية لكل منشأة، ووضع مستهدفات لثلاث إلى خمس سنوات، وقياس الوفورات الفعلية الناتجة عن التقنيات والتحسينات التشغيلية. كما يقترح تطوير مؤشر وطني لاستقرار تكلفة إنتاج المياه، يقيس قدرة المنشآت على مقاومة ارتفاع تكاليف الإنتاج، من خلال مقارنة التكلفة الفعلية بالتكلفة المتوقعة دون تحسينات، مع تصحيح المقارنة وفق ظروف التشغيل وجودة المياه الخام وحجم الإنتاج، واحتساب تكاليف الاستثمار والصيانة على مدى العمر التشغيلي للأصول.

ولا يعني استقرار التكلفة تجميدها بصورة مصطنعة أو التضحية بالصيانة وجودة المياه، بل تحقيق كفاءة اقتصادية حقيقية ومستدامة، تجعل نمو التكلفة أقل من نمو أسعار مدخلات الإنتاج، وصولًا إلى تعويض تلك الزيادات متى ما كان ذلك ممكنًا. ويمكن أن تفتح هذه المبادرة المجال أمام نماذج تعاقدية أكثر تقدمًا مع القطاع الخاص، تقوم على مشاركة الوفورات المحققة واستدامة الأداء، وليس فقط خفض التكلفة الرأسمالية عند الترسية.

من تحقيق الوفورات إلى صناعة ميزة تنافسية وطنية

لقد قطعت المملكة شوطًا كبيرًا في تطوير تقنيات التحلية ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، لكن الفرصة المقبلة تتجاوز تحقيق وفورات تشغيلية إضافية، إلى تطوير نموذج سعودي متكامل لإدارة اقتصاديات المياه، يمكن أن يصبح مرجعًا عالميًا. إن الدرس الاقتصادي الأهم من تجربة أرامكو هو أن الميزة التنافسية لا تصنع فقط من انخفاض تكلفة الموارد، بل من القدرة المستمرة على تحسين الإنتاجية ومواجهة ارتفاع التكاليف. وإذا كانت أرامكو قد رسخت مكانة المملكة عالميًا في كفاءة إنتاج النفط، فلماذا لا نصنع نموذجًا سعوديًا يحتذى به عالميًا في استقرار تكلفة إنتاج المياه؟

شارك الخبر: