بترو نيوز 24الخبر أولاً، والحقيقة دائماً

رئيس مجلس الإدارة: فاطمة الفار

رئيس التحرير: عادل البكل

تقارير و حوارات

أزمة الكهرباء اللبنانية: اقتصاد سياسي للعتمة المصنوعة

أزمة الكهرباء اللبنانية: اقتصاد سياسي للعتمة المصنوعة
تقارير و حوارات · ٢٢:٣٣:٤٩ - الأحد، ٨ نوفمبر ٢٠٢٦

لا يمثل ملف الكهرباء في لبنان مجرد أزمة تقنية أو فجوة تمويلية عابرة، بل هو التجسيد الأوضح لآليات عمل "الدولة العميقة" وتحويل المرافق العامة إلى أدوات للنفوذ الزبائني والتكسب المالي غير المشروع. على مدار أكثر من ثلاثة عقود، تحول هذا القطاع الحيوي إلى ثقب أسود امتص أكثر من أربعين مليار دولار أميركي من الخزينة العامة، أي نحو نصف الدين العام الإجمالي للبلاد.

تعطيل الهيئة الناظمة وقانون 462

تعتمد المنظومة الحاكمة على استراتيجية التعطيل الممنهج للحفاظ على قطاع الطاقة كمصدر رئيسي للتمويل. أبرز الأدوات القانونية والسياسية المستخدمة هو تعطيل تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء المنصوص عليها في القانون رقم 462 الصادر عام 2002. وجود هيئة مستقلة يعني نقل صلاحيات واسعة — مثل منح تراخيص الإنتاج وتحديد التعرفات وإدارة المناقصات — من يد وزير الطاقة ومجلس الوزراء إلى سلطة رقابية مستقلة. تصر القوى السياسية المتعاقبة على تعديل هذا القانون لإفراغ الهيئة من مضمونها وإبقائها خاضعة للوصاية السياسية المباشرة.

قطاع المولدات والتحالفات الاحتكارية

يتزامن التعطيل التشريعي مع نشوء قطاع موازٍ غير شرعي لكنه منظم ومحمي. يُقدر خبراء اقتصاديون أرباح قطاع المولدات الخاصة بمليارات الدولارات سنوياً، تُدفع نقداً من جيوب المواطنين وتصب في شبكات نفوذ محلي وحزبي. إعادة التيار الكهربائي العام على مدار 24 ساعة تعني إفلاس شبكة المصالح هذه. يتكامل هذا الاحتكار مع التحالف الاحتكاري لاستيراد المحروقات، حيث جرى تقاسم حصص التوريد لعقود عبر شركات محاصصة تجارية محمية سياسياً.

أرقام مؤسسة كهرباء لبنان: هدر 40% وتراجع الإنتاج

تكشف الأرقام عن انهيار هيكلي كامل. تسجل شبكة الكهرباء في لبنان واحدة من أعلى نسب الهدر عالمياً بنحو 40% من إجمالي الطاقة المنتجة. ينقسم هذا إلى هدر فني (13-15%) ناتج عن تقادم الشبكات وتهالك المحولات، وهدر غير فني أو تجاري (نحو 25%) يظهر في التعديات والسرقات وفشل الجباية بسبب غياب القرار الأمني والغطاء السياسي. مشروع مقدمي الخدمات لتركيب العدادات الذكية تكفل بأكثر من مليار دولار وتعثر في مستنقع المحاصصة.

انخفض إنتاج المعامل الحرارية التابعة للدولة بأكثر من 80% في السنوات الأخيرة، متراجعاً من 15.4 تيراواط/ساعة إلى 3.37 تيراواط/ساعة فقط. تعتمد الدولة على معملي الزهراني ودير عمار كعمود فقري متبقٍ، بينما خرجت معامل الجية والذوق عن الخدمة. تراوحت ساعات التغذية بين صفر وأربع ساعات يومياً. الخزينة العامة لم تعد قادرة على مد المؤسسة بسلف الموازنة التقليدية (1.5-2 مليار دولار سنوياً)، وتراكمت مستحقات غير مسددة على الإدارات العامة لصالح كهرباء لبنان بلغت نحو 250 مليون دولار، تزداد بمعدل 12 مليون دولار شهرياً. انخفض عدد الموظفين الفعليين إلى أقل من 900 موظف من أصل 5020 يقتضيها الهيكل التنظيمي.

تعرفة جديدة وعبء مزدوج على المواطن

أقرت الحكومة خطة تعافي مالي بالتعاون مع البنك الدولي، رُفعت بموجبها تعرفة الكهرباء بشكل قياسي بعد تثبيتها عند 9.5 سنتات للكيلوواط/ساعة منذ التسعينيات. التعرفة الجديدة المقومة بالدولار: شطر منزلي مدعوم بعشرة سنتات لأول 100 كيلوواط، وشطر أعلى وتجاري بـ 27 سنتاً لما يفوق ذلك. أضيفت رسوم ثابتة باهظة (بدل تأهيل واشتراك) تبدأ من 4.3 دولار وتصل لأكثر من 20 دولاراً شهرياً حسب قدرة العداد، تُجْبى حتى لو كانت التغذية صفراً. بالمقارنة، سعر الكيلوواط من المولدات بين 34-48 سنتاً مع رسوم ثابتة 5-15 دولاراً لكل 5 أمبير. الأسرة المتوسطة تدفع 130-200 دولار شهرياً للفاتورتين معاً، مما يؤكد تحويل الطاقة من خدمة عامة إلى عبء معيشي يمول الاقتصاد الموازي.

قضية النفط المغشوش وصفقات سوناطراك

تمثل قضية النفط المغشوش المرتبطة بشركة سوناطراك النموذج القضائي الأبرز لتغلغل الصفقات الفاسدة. اتفاقية 2005 بين لبنان وسوناطراك كشفت لاحقاً أن الشركة كانت واجهة قانونية خلفها شركات في ملاذات ضريبية يملكها رجال أعمال محليون بحماية سياسية. شحنات وقود غير مطابقة للمواصفات تسببت بأعطال ميكانيكية وتدمير تدريجي لتوربينات الجية والذوق، وفرضت عقود صيانة خيالية مدفوعة من المال العام. انتهى الملف بفسخ العقد والدخول في مناقصات فورية افتقرت للشفافية وخضعت للمحاصصة ذاتها.

الطفرة الشمسية الفردية: مليار ونصف دولار استثمار

أمام العتمة الشاملة، نفذ اللبنانيون أضخم عملية انفصال جماعي ذاتي عبر الطاقة الشمسية الفردية. ضخ اللبنانيون من مدخراتهم الخاصة خارج النظام المصرفي نحو 1.5 مليار دولار بين 2021 و2023 لتركيب أنظمة منزلية وتجارية وزراعية، تركزت في جبل لبنان والبقاع. انخفضت كلفة الكيلوواط الشمسي من 7200 دولار (2011) إلى 800 دولار (2020)، والنظام المنزلي الشائع حالياً يكلف 1000-1300 دولار للكيلوواط. السوق يشهد ركوداً حاداً وانخفاضاً في الاستيراد بأكثر من 80% مقارنة بذروة الأزمة لوصول السوق لمرحلة الإشباع. الخبراء يؤكدون أن هذا الحل مجتزأ لا يشغل المصانع الثقيلة أو المرافق الحيوية ليلاً، وكلفته عائق أمام الأفقر.

المبادرة القطرية: فرصة متعثرة

فشلت المبادرات الدولية السابقة (الألمانية عبر سيمنس، قروض البنك الدولي والصناديق العربية للغاز المصري والكهرباء الأردنية) بسبب المناكفات السياسية ورفض الالتزام بالشروط الهيكلية. المبادرة القطرية الأخيرة تشكل الفرصة الأحدث والأنضج، ويقودها تحالف يضم "قطر للطاقة" و"توتال إنرجيز" الفرنسية، بصيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية لإنتاج 2890 ميغاوات: محطتان حراريتان بالغاز في دير عمار والزهراني (825 ميغاوات لكل منهما)، اتفاقية توريد غاز مسال لـ 20 عاماً، ومشاريع طاقة متجددة تتجاوز 1200 ميغاوات. الجانب القطري يتكفل بالتمويل الرأسمالي الكامل دون أعباء مسبقة على الخزينة.

معوقات التمويل والتشريع

تعثر التوقيع النهائي بعد أربع جولات مفاوضات. العقبة الأولى: غياب الضمانات المالية وسيولة التحصيل؛ قطر تطالب بضمانات سيادية وقانونية واضحة لقدرة الدولة على دفع ثمن الطاقة والغاز بالدولار النقدي الصافي لـ 20 عاماً، شرط شبه مستحيل مع إفلاس المصرف المركزي وتخلف مؤسسات الدولة عن دفع فواتيرها. العقبة الثانية: العرقلة التشريعية والشلل الدستوري؛ تفعيل الاتفاقية يتطلب تشريعات من مجلس النواب، الذي يواجه بطئاً وتعطيلاً بسبب خلافات حول صلاحيات حكومة تصريف الأعمال. اعتكاف وزير الطاقة جو الصدي عن حضور جلسات الحكومة احتجاجاً على عدم تسوية مستحقات مؤسسة الكهرباء المتراكمة وعجز الدولة عن تغطية كلفة إصلاح الشبكات يزيد تعقيد الملف.

مسار إنقاذي إلزامي

الخروج من نفق العتمة لا يتطلب معجزات تقنية بل مساراً إنقاذياً يبدأ برفع اليد السياسية فوراً عن القطاع وتفعيل القانون 462/2002 عبر تعيين هيئة ناظمة مستقلة بصلاحيات تنفيذية ورقابية كاملة لكسر احتكار الوزارة ومجلس الوزراء. يتطلب إقرار الضمانات السيادية والتجارية للجانب القطري عبر تسوية شاملة تلزم الإدارات العامة بدفع فواتيرها، وتخصيص حساب نقدي مستقل ومحمي لعائدات الجباية مخصص لخدمة الاتفاقية، بالتوازي مع حملة أمنية وقانونية صارمة لإزالة التعديات والتسريع في تركيب العدادات الذكية لخفض الهدر غير الفني. بدون قرارات سياسية جريئة، ستبقى المبادرة القطرية رهينة حسابات المحاصصة، وسيبقى قطاع الطاقة نموذجاً لكيفية تدمير الأوطان من بوابة المصالح الفئوية الضيقة.

شارك الخبر: