تراهن مصر على الهيدروجين منخفض الكربون ومشتقاته، وفي مقدمتها الأمونيا الخضراء، لتوسيع قاعدة صادراتها من الطاقة وتعزيز موقعها في الأسواق العالمية، مستفيدة من موارد الطاقة الشمسية والرياح وموقع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس القريب من ممرات التجارة الدولية ومرافق التصدير.
الاستراتيجية الوطنية ومذكرات التفاهم
تستند هذه التحركات إلى الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون، التي وافق عليها المجلس الأعلى للطاقة في فبراير 2024، وتستهدف تطوير إنتاج الهيدروجين ومشتقاته للاستخدام المحلي والتصدير، مع جذب الاستثمارات والخبرات التكنولوجية اللازمة لبناء هذه الصناعة. وتستهدف الاستراتيجية رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى أكثر من 42% بحلول عام 2030، إلى جانب التوسع التدريجي في استخدام الهيدروجين منخفض الكربون بقطاعات الصناعة والنقل.
تفاصيل الاستثمارات المتوقعة والشركات المشاركة
في فبراير 2024، أعلنت الحكومة المصرية توقيع سبع مذكرات تفاهم مع مطورين دوليين ومحليين لإقامة مشروعات للهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات متوقعة تبلغ نحو 40 مليار دولار على مدى عشر سنوات. تتوزع التقديرات الاستثمارية على نحو 12 مليار دولار للمرحلة التجريبية، ونحو 29 مليار دولار للمرحلة الأولى، وهي أرقام تعكس القيمة المحتملة للمشروعات المرتبطة بمذكرات التفاهم، ولا تعني ضخ هذه الأموال بالفعل أو دخول جميع المشروعات مرحلة التنفيذ.
تشمل قائمة الشركات والمطورين المشاركين شركات ومجموعات استثمارية من بينها «باش جلوبال» البريطانية، و«سمارت إنرجي» السويسرية، وتحالف «إس كيه إيكوبلانت» الكوري، وشركة «إيه إم إم باور» الكندية، ومجموعة «يونايتد إنرجي» الصينية، إلى جانب شركات وتحالفات أخرى.
تكاليف الإنتاج والتحديات وفق دراسة OECD
تستند جاذبية مصر في هذا القطاع إلى إمكانات الطاقة الشمسية والرياح، ولا سيما في مناطق خليج السويس والصحراء، إلى جانب القرب من الأسواق الأوروبية وموانئ التصدير ومناطق الصناعات الكيماوية. لكن هذه المزايا الطبيعية لا تعني بالضرورة أن تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر أصبحت الأقل عالميًا. فقد قدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في دراسة منشورة عام 2026 عن التحول الصناعي منخفض الكربون في مصر، تكلفة إنتاج الهيدروجين وفق السيناريوهات التي درستها بنحو 3.7 إلى 4.8 دولار للكيلوجرام، مع اختلاف التكلفة بحسب تصميم المشروع وتوازن قدرات الطاقة المتجددة والمحللات الكهربائية واحتياجات التخزين والتمويل.
توضح الدراسة أن مصر تمتلك إمكانات تنافسية في إنتاج بعض مشتقات الهيدروجين، مثل الأمونيا الخضراء والحديد الأخضر والميثانول الإلكتروني، للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تشير أيضًا إلى تحديات تتعلق بتمويل المشروعات وقدرة شبكة الكهرباء والبنية التحتية وتوفير المهارات الفنية.
من الاتفاقيات إلى التنفيذ والتصدير
لا يتوقف نجاح الرهان المصري على توقيع مذكرات التفاهم أو الإعلان عن قيم استثمارية كبيرة، بل يرتبط بقدرة المشروعات على استكمال الدراسات الفنية والتمويل، وتوفير الكهرباء المتجددة، وإنشاء وحدات التحليل الكهربائي ومرافق التخزين والنقل، ثم الوصول إلى الإنتاج التجاري والتصدير. كما أن تحويل هذه المشروعات إلى مصدر مستدام للنقد الأجنبي يتطلب وجود عقود شراء طويلة الأجل، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج، وتنافسية سعرية تتيح للمنتج المصري مواجهة الموردين الآخرين. وبذلك، فإن مبلغ 40 مليار دولار يمثل حجم الفرص الاستثمارية المحتملة التي تستهدفها مصر في هذا القطاع، وليس حصيلة استثمارات تحققت بالفعل.



