أكد حسن بخيت، وكيل وزارة البترول والثروة المعدنية الأسبق، أن الفرصة التعدينية في مصر لا تقف عند حدود استخراج الذهب والخامات، بل تمتد إلى بناء مركز إقليمي لمعالجة المعادن وتصنيعها وتصديرها، ما يفتح أسواقاً جديدة أمام الصناعة المحلية ويقلص الاعتماد على الواردات.
مقومات جغرافية وصناعية تؤهل مصر للدور الإقليمي
أوضح بخيت أن مصر تمتلك مقومات جغرافية وجيولوجية وصناعية تؤهلها للقيام بهذا الدور، مشدداً على أن تحقيقه يتطلب إعادة هيكلة قطاع التعدين وتطوير تشريعات الاستثمار، والانتقال من تصدير الخامات في صورتها الأولية إلى تعظيم القيمة المضافة.
أشار إلى أن رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 6%، مقابل 1% حالياً، مرهون بإصلاحات مؤسسية تشمل الفصل بين أنشطة التنظيم وإصدار التراخيص، والمسح الجيولوجي واستكشاف الخامات، والنشاط الإنتاجي. كما اقترح دراسة إنشاء وزارة مستقلة للتعدين تضع استراتيجية متكاملة لتنمية الثروات المعدنية، لافتاً إلى أن تعدد الملفات التي تديرها وزارة البترول والثروة المعدنية قد لا يتيح تركيزاً كافياً على النشاط التعديني.
تجمعات صناعية متخصصة بالقرب من خليج السويس
قال بخيت إن الموقع الجغرافي لمصر يمنحها ميزة تنافسية في استيراد الخامات والتكنولوجيا من الأسواق المختلفة، وإقامة تجمعات صناعية متخصصة بالقرب من خليج السويس لمعالجة المعادن وتصنيعها قبل تصدير المنتجات النهائية. وأضاف أن توافر العمالة بتكلفة تنافسية، وإمكانية رفع إنتاجيتها من خلال التدريب، فضلاً عن وجود بعض الخامات محلياً، يمثل عناصر داعمة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
شدد على أن نجاح هذه التجمعات يتطلب استقطاب شركات عالمية تمتلك التكنولوجيا والخبرات الإدارية وشبكات التسويق، بما يضمن نقل المعرفة الفنية وتوفير قنوات لتسويق المنتجات المصرية. وأوضح أن جذب هذه الاستثمارات يرتبط بتبسيط الإجراءات وتسريع إصدار الموافقات والتراخيص، إلى جانب وضوح الالتزامات المالية والتنظيمية.
أربعة محاور لتحويل الإمكانات الجيولوجية إلى عائد اقتصادي
حدد بخيت أربعة محاور رئيسية، في مقدمتها تطوير التشريعات بما يتناسب مع طبيعة النشاط التعديني ومخاطره الفنية والمالية، خاصة في المناطق الصحراوية التي تفتقر إلى البنية الأساسية. وأضاف أن المستثمرين يحتاجون إلى حوافز تعوضهم عن تكاليف إنشاء الطرق وتوفير الكهرباء والمياه والخدمات اللوجستية، إلى جانب بناء قواعد بيانات جيولوجية وتعدينية دقيقة وشفافة.
أشار إلى أهمية تأهيل الكوادر البشرية من خلال إنشاء معاهد تدريب متخصصة ومدارس مهنية بالتعاون مع الخبرات الدولية، فضلاً عن ربط خطط الاستكشاف والاستخراج والتصنيع بدراسات الأسواق المحلية والعالمية.
نظام القطاعات المفتوحة.. تحول إيجابي يحتاج تطبيقاً تدريجياً
وصف نظام القطاعات المفتوحة بأنه تحول إيجابي في منظومة الاستثمار التعديني، لكنه يحتاج إلى تطبيق تدريجي ومدروس يبدأ بمناطق محددة تتوافر بها البنية الأساسية، بدلاً من طرح مساحات واسعة دون التأكد من جاهزيتها. وأوضح أن النظام يمنح الشركات مرونة أكبر في إدارة مناطق الامتياز واحتساب التكاليف والعوائد، مقارنة بنظام المشاركة السابق.
أضاف أن النظام يقوم على تحصيل إتاوة من الإنتاج تبلغ 5%، وضرائب على الأرباح تتراوح بين 25% و30%، إلى جانب حصص مجانية للدولة، ما يتيح للمستثمر تحديد التزاماته المالية مسبقاً وتقييم الجدوى الاقتصادية.
خامات واعدة: الحجر الجيري والرخام والحديد والنحاس
أشار بخيت إلى أن الحجر الجيري عالي النقاء بمنطقة سمالوط في المنيا، المعروف بـ"الذهب الأبيض"، يمثل إحدى أبرز الفرص التعدينية، نظراً لارتفاع درجة نقائه ودخوله في أكثر من 35 صناعة، من بينها الصناعات الغذائية والدوائية. وأوضح أن التوسع في تصنيع الحجر الجيري خلال السنوات الخمس المقبلة بدلاً من تصديره خاماً يمكن أن يحقق عوائد مرتفعة.
أضاف أن الرخام والجرانيت يمثلان فرصاً واعدة شريطة تسهيل إجراءات التراخيص وتقليص البيروقراطية. وأشار إلى أن استغلال خامات الحديد والنحاس محلياً يتيح فرصاً لخفض فاتورة الواردات، التي تقدر بنحو 4 مليارات دولار سنوياً للحديد وأكثر من مليار دولار للنحاس، إلى جانب خامات الأسمنت والكاولين والفلسبار ورمال الزجاج.
تمكين الشركات المصرية في أفريقيا وتعاون عربي أفريقي
طالب بخيت بتمكين الشركات المصرية المؤهلة من التوسع في الاستثمارات التعدينية بأفريقيا، بما يسهم في تأمين احتياجات الصناعة المحلية من الخامات الاستراتيجية، خاصة الحديد والنحاس والبوكسيت اللازم لمجمع الألومنيوم بنجع حمادي. وأوضح أن الاستثمار في القارة الأفريقية يمكن أن يقلل الاعتماد على الواردات ويعزز أمن سلاسل الإمداد.
أشار إلى أهمية تعزيز التعاون التعديني بين الدول العربية والأفريقية، خاصة في المناطق الحدودية التي تتشارك امتدادات جيولوجية، لافتاً إلى فرص التكامل بين مصر والسعودية والسودان في نطاق البحر الأحمر، وإمكانية إحياء التعاون مع ليبيا. وأضاف أن تطوير شبكات النقل البري والسكك الحديدية يمثل عاملاً مهماً، مشيراً إلى إمكانية دراسة إنشاء خطوط سكك حديدية تربط مصر بدول شمال أفريقيا وصولاً إلى موريتانيا.
الذهب: مستهدف 100 طن سنوياً ومشروع مصفاة محلية
قال بخيت إن مصر قادرة على رفع إنتاجها من الذهب إلى 100 طن سنوياً، من خلال التوسع في أنشطة التعدين الكبير والمتوسط والصغير، وتسريع أعمال الاستكشاف والإنتاج، إلى جانب تقنين أنشطة التعدين التقليدي. وأوضح أن إنتاج مصر يبلغ نحو 17 طناً سنوياً، يستحوذ منجم السكري على 12 طناً منها، فيما يأتي 5 أطنان من أنشطة التعدين الصغير، مرجحاً أن يكون الإنتاج الفعلي لهذا النشاط أكبر من الأرقام المعلنة.
أضاف أن التعدين الصغير والمتوسط يمكن أن يسهم بنسبة 60% من إجمالي إنتاج الذهب، مقابل 40% للتعدين الكبير، حال توافر آليات التنظيم والإشراف والحوافز المناسبة. وأشار إلى أن الوصول إلى المستهدف المعلن لإنتاج الذهب بحلول 2030، البالغ 800 ألف أونصة سنوياً، يتطلب تسريع انتقال الشركات الحاصلة على تراخيص الاستكشاف إلى مرحلة الإعلان عن الاكتشافات التجارية وبدء الإنتاج.
لفت إلى أن تقنين التعدين التقليدي يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: إدماج النشاط بالاقتصاد الرسمي وتعظيم حقوق الدولة من الإتاوات والضرائب، والحد من التلوث الناتج عن الاستخدام غير المنضبط للمواد الكيميائية، فضلاً عن الحفاظ على المواقع الواعدة للاستثمارات التعدينية الكبرى.
مصفاة الذهب.. اعتماد دولي شرط أساسي للنجاح
فيما يتعلق بمشروع إنشاء مصفاة للذهب في مصر، قال بخيت إنه يمثل فرصة لتعزيز موقع البلاد في تجارة الذهب الإقليمية والأفريقية، عبر استقطاب إنتاج الدول الأفريقية والعربية لتنقيته وتكريره محلياً بدلاً من إرساله إلى مراكز التكرير الخارجية. وأوضح أن وجود مصفاة محلية يقلل الأعباء المرتبطة بنقل الذهب إلى الخارج، بما يشمل تكاليف الشحن والتأمين وإجراءات النقل.
أشار إلى أن تحقيق الجدوى الاقتصادية للمشروع يتطلب تأمين كميات منتظمة لا تقل عن 100 طن سنوياً من الإنتاج المحلي والأفريقي لضمان استدامة التشغيل. وأكد أن التحدي الرئيسي يتمثل في الحصول على الاعتماد والاعتراف الدوليين للمصفاة ومخرجاتها، بما يتطلب الالتزام بالمعايير الفنية والرقابية التي تضمن جودة الذهب ونقاءه وقبوله في الأسواق العالمية، مشيراً إلى أن البنك المركزي المصري وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي وقعا في ديسمبر 2025 مذكرة تفاهم لإنشاء بنك متخصص في الذهب على مستوى القارة الأفريقية.



