بدأت مصانع الأسمدة المصرية مطلع نوفمبر 2026 تنفيذ قرار خفض أحمال الغاز الطبيعي بنسبة 20%، بعد إخطارات رسمية من الجهات المسؤولة عن الإمدادات. وتأتي الخطوة في ظل ارتفاع تكلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال عالميًا، واستمرار الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، ما دفع الحكومة إلى إعادة توزيع الكميات المتاحة بين محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية.
شركات الأسمدة تعلن موقفها من خفض الإمدادات
كشفت إفصاحات الشركات المقيدة بالبورصة المصرية عن تباين انعكاسات القرار على العمليات الإنتاجية. أعلنت شركة الصناعات الكيماوية المصرية «كيما» تلقيها إخطارًا رسميًا بخفض الأحمال بنسبة 20% بدءًا من ظهر الأحد 1 نوفمبر، مؤكدة أن مصنع اليوريا يواصل العمل طبيعيًا، وأنها تدرس الآثار الفنية والاقتصادية تمهيدًا للإفصاح عنها. في المقابل، أكدت شركة مصر لإنتاج الأسمدة «موبكو» استمرار العمليات التشغيلية والإنتاجية مع إدارة معدلات التشغيل وفق الكميات المتاحة. أما شركة أبوقير للأسمدة والصناعات الكيماوية فأعلنت بدء تنفيذ القرار مع إعادة تنظيم العمليات التشغيلية، مشيرة إلى امتلاكها مرونة تشغيلية وخططًا لإدارة المخزون وجدولة الصيانة الدورية للحد من التأثير على الإنتاج والمبيعات والالتزامات التعاقدية محليًا ودوليًا. وأعلنت خمس شركات أخرى، بينها سماد مصر «إيجيفرت» ومصر لصناعة الكيماويات وكفر الزيات للمبيدات والكيماويات والدولية للأسمدة وفيركيم مصر، عدم تأثر نشاطها مباشرة بالقرار نظرًا لطبيعة أنشطتها أو عدم اعتمادها على الغاز الطبيعي في العمليات المشمولة بالتخفيض.
أسعار الغاز المسال تقفز عالميًا وتضغط على الإمدادات
تزامنت الضغوط على المصانع المصرية مع ارتفاع حاد في أسعار الغاز المسال بالأسواق الدولية. وبحسب بيانات منصة «جلوبال إل إن جي هاب» في 2 نوفمبر، ارتفع مؤشر الغاز الآسيوي «جيه كيه إم»، المرجع الرئيسي لتسعير الشحنات الفورية في شمال شرق آسيا، إلى مستويات تتجاوز 34 دولارًا للمليون وحدة حرارية بريطانية بنهاية أكتوبر، مقابل مستويات قرب 25 دولارًا في نهاية سبتمبر، بزيادة تقارب 36% خلال شهر. وكانت وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» قد أشارت إلى تجاوز المؤشر مستوى 30 دولارًا في 19 أكتوبر للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022، مع تصاعد الطلب الشتوي ومخاوف أمن الإمدادات. ويمثل هذا الارتفاع تحديًا لمصر، إذ يؤدي شراء شحنات إضافية بالأسعار المرتفعة إلى زيادة تكلفة تدبير الطاقة، ويحد من القدرة على توسيع الإمدادات الموجهة إلى القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك.
الغاز عنصر حاسم في صناعة الأسمدة النيتروجينية
تختلف صناعة الأسمدة النيتروجينية عن كثير من الصناعات في اعتمادها على الغاز الطبيعي، إذ يدخل في إنتاج الهيدروجين المستخدم في تصنيع الأمونيا، المكون الأساسي لإنتاج اليوريا وعدد من الأسمدة الأخرى. ولهذا فإن نقص الإمدادات لا يقتصر تأثيره على تكلفة تشغيل المعدات، بل قد يمتد إلى القدرة على إنتاج المادة الخام الرئيسية. وكان رئيس شعبة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات المصرية، شريف الجبلي، قد أوضح في تصريحات سابقة خلال أبريل 2026 أن الغاز يمثل ما بين 60% و70% من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية، مشيرًا إلى أن توافر الغاز بكميات منتظمة يمثل عاملًا أساسيًا للحفاظ على تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق العالمية، خصوصًا مع ارتباط أسعار الأسمدة بتطورات أسعار الطاقة.
تأثير محتمل على صادرات الأسمدة البالغة ملياري دولار
لا تقتصر أهمية قطاع الأسمدة على تلبية احتياجات النشاط الزراعي، بل يمتد دوره إلى توفير إيرادات بالعملة الأجنبية من خلال التصدير. وأشار شريف الجبلي إلى أن صادرات الأسمدة المصرية تبلغ نحو ملياري دولار سنويًا، مع إمكانية زيادتها إلى 3 مليارات دولار، بشرط استمرار توافر الغاز الطبيعي بكميات كافية. ومن ثم، فإن استمرار القيود على إمدادات الغاز قد يفرض ضغوطًا على الخطط التصديرية للمصانع، خصوصًا الشركات التي ترتبط بعقود توريد خارجية ومواعيد تسليم محددة. لكن الإفصاحات الصادرة حتى الآن لم تتضمن تقديرات نهائية لخسائر الإنتاج أو الصادرات نتيجة الخفض الجديد، فيما أكدت الشركات الكبرى استمرار التشغيل.
فاتورة استيراد الغاز تثقل كاهل الاقتصاد
تواجه مصر تحديًا متزايدًا لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي في ظل تراجع الإنتاج المحلي خلال السنوات الماضية، والاعتماد على الشحنات المستوردة لتغطية الفجوة بين العرض والطلب. وتؤدي القفزات العالمية في أسعار الغاز المسال إلى زيادة الأعباء المالية المرتبطة بالاستيراد، خاصة عندما تضطر الدولة إلى شراء كميات إضافية لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة. وفي الوقت نفسه، فإن خفض الإمدادات للمصانع قد يوفر جزءًا من تكلفة الواردات في الأجل القصير، لكنه يحمل تكلفة اقتصادية محتملة إذا انعكس على الإنتاج الصناعي والصادرات.
مدة التخفيض تحدد حجم التداعيات
تظل المدة الزمنية لخفض الإمدادات العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد حجم التداعيات الاقتصادية. فإذا استمر التخفيض لفترة محدودة، قد تتمكن المصانع من استيعاب جانب من تأثيره عبر إدارة المخزون والصيانة وإعادة توزيع الأحمال. أما استمرار القيود لفترة أطول فقد يزيد احتمالات انخفاض الطاقة الإنتاجية لبعض الشركات، والضغط على المبيعات والتعاقدات التصديرية، وربما توافر بعض أنواع الأسمدة في السوق المحلية. وفي المحصلة، لا يمثل خفض إمدادات الغاز بنسبة 20% مجرد إجراء لترشيد استهلاك الطاقة، بل اختبارًا لقدرة مصر على إدارة مواردها المحدودة من الغاز بين متطلبات الكهرباء والصناعة، في وقت تتزايد فيه أهمية الصادرات الصناعية كمصدر للنقد الأجنبي. ويبقى مستقبل القطاع مرهونًا بعودة استقرار الإمدادات، وتطور أسعار الغاز العالمية، وقدرة الحكومة على زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الشحنات المستوردة.



