تستعد مدينة أنطاليا التركية لاستضافة الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف (كوب 31)، في لحظة فارقة تشهد فيها الدبلوماسية المناخية العالمية تحولًا من التعهدات النظرية إلى التنفيذ الميداني. يأتي هذا المؤتمر بعد ثلاثة عقود من مسار بدأ بقمة ريو 1992، مرورًا ببروتوكول كيوتو 1997 واتفاق باريس 2015، فيما يتفق المجتمع الدولي وقطاع الأعمال على أن هدف حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية لم يعد قابلًا للتحقيق بالنوايا المعلنة وحدها.
مفهوم «كوب التنفيذ»
تروج تركيا لمؤتمر أنطاليا بوصفه «كوب التنفيذ» (COP of Implementation)، بهدف تغيير البنية التقليدية لقمم المناخ التي اقتصرت على وضع الأهداف والتفاوض على النصوص. يتطلب المفهوم الجديد عرض نماذج التمويل والحلول الهندسية والاستثمارات البنية والخطط التنموية الإقليمية بشفافية، مع التركيز على مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات، وبنية الهيدروجين الأخضر، وكفاءة الطاقة، وتقنيات التقاط الكربون وتخزينه (CCUS) من خلال مشاريع ملموسة.
دور تركيا الوسيط بين الشمال والجنوب
بصفتها عضوًا في مجموعة العشرين ودولة نامية ذات موقع جغرافي وسياسي وسيط، تسعى تركيا لتقديم صوت للدول النامية في ملفات المسؤولية التاريخية والوصول إلى التمويل المناخي. تؤكد أنقرة أن التمويل المناخي ليس هبات بل آليات سوقية شاملة وعادلة، وتضع مبدأ «الانتقال العادل» (Just Transition) في صلب أجندة القمة، مستعرضة نموذجًا لإزالة الكربون دون إبطاء التصنيع.
تمويل أخضر وتحول صناعي
يشكل تسريع تدفق التمويل الأخضر إلى القطاع الحقيقي معيارًا رئيسيًا لنجاح كوب 31. سيجتمع في أنطاليا مموّلون دوليون وبنوك تنمية ومديرو محافظ ومستثمرون من القطاع الخاص، لبلورة قرارات حول تكامل أسواق الكربون، ومواءمة أنظمة تجارة الانبعاثات، وتحفيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة للمناخ. بالنسبة للصناعة التركية، تمثل القمة منصة لعرض قدرات التحول الأخضر في قطاعات كثيفة الانبعاثات كالفولاذ والإسمنت والألمنيوم والنسيج والكيميائيات، تماشيًا مع «الاتفاق الأخضر الأوروبي» وآلية تعديل حدود الكربون (CBAM).
مشاريع ملموسة على الطاولة
يركز نهج «التنفيذ» على تحويل التعهدات إلى تحركات صناعية وتكنولوجية وتنموية على أرض الواقع. يشمل ذلك آليات دولية لنقل التكنولوجيا النظيفة من الدول المتقدمة إلى النامية بعدل واستمرارية، من بنية الطاقة المتجددة ومحطات الهيدروجين الأخضر وأنظمة تخزين البطاريات الضخمة والشبكات الذكية. يهدف هذا التعاون إلى خفض الانبعاثات وإحياء نماذج تنموية إقليمية جديدة.
عدالة الانتقال وأمن الغذاء والماء
تواجه منطقة البحر المتوسط، ومنها تركيا، مخاطر الجفاف والإجهاد المائي التي تهدد الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي الزراعي. ستُربط مشاريع إعادة تأهيل الأراضي الزراعية بتقنيات متجددة، والري بالتنقيط، والزراعة الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإدارة أحواض المياه بتمويل دولي مباشر. كما ستُطرح برامج إعادة تأهيل العمالة (Re-skilling) وصناديق التنمية الإقليمية وتحويل المواقع الصناعية المهجورة إلى مراكز تكنولوجية، كضمانات اجتماعية للانتقال العادل.



