بترو نيوز 24

رئيس مجلس الإدارة: فاطمة الفار

رئيس التحرير: عادل البكل

مقالات

نحو نموذج رأسمالي ذكي للطاقة والبيئة

نحو نموذج رأسمالي ذكي للطاقة والبيئة
مقالات · ٠٤:٣٨:١٤ - الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦

يختزل الجدل الدائر حول الطاقة اليوم في خيار ثنائي ظاهري بين الاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري والتحول إلى الطاقات المتجددة، غير أن الكاتبين المهندس ميغيل كابريرا والجيولوجي غابرييل لوبيز إيسلا يرون أن السؤال الأعمق والأكثر إلحاحًا يتمحور حول نمط الرأسمالية الذي نبنيه ومن يملك سلطة اتخاذ القرار.

تحليل دورة الحياة يكشف التكاليف الخفية

تفرض الهندسة أداة صارمة للمقارنة هي تحليل دورة الحياة، الذي يحصي الآثار من استخراج المواد الخام حتى التخلص النهائي. وتظهر بيانات الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) لعام 2014 أن انبعاثات طاقة الرياح تبلغ نحو 11 جرامًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة، والطاقة الشمسية واسعة النطاق 48 جرامًا، مقابل 490 للغاز الطبيعي و820 للفحم.

غير أن انخفاض الانبعاثات لا يعني انعدام التكلفة البيئية؛ فتصنيع التوربينات والألواح والبطاريات يستهلك فولاذًا وإسمنتًا ونحاسًا وألومنيوم وسيليكون، إضافة إلى الليثيوم والنيكل والكوبالت في بطاريات التنقل الكهربائي، وكلها مواد يستخرج وينقل ويعالج باستهلاك عالٍ للماء والطاقة. وفي شمال الأرجنتين، أثار توسع تعدين الليثيوم في ملاحات البونا جدلًا حول استخدام المياه في مناطق شحيحة الموارد.

كما قدر الوكالة الدولية للطاقات المتجددة (IRENA) أن ألواح الطاقة الشمسية المتقاعدة قد تتراكم لتصل إلى 78 مليون طن من النفايات بحلول 2050، محذرين من خطر استبدال الوقود دون تغيير منطق الاستخراج والإهمال.

فرضية النفط غير العضوي وحدود المناخ

استعرض الكاتبان الفرضية abiogénica التي طرحها جيولوجيون سوفييت منتصف القرن العشرين وروّج لها عالم الفيزياء الفلكية توماس جولد، والقائلة إن الهيدروكربونات تتشكل بعمليات جيولوجية عميقة دون أصل عضوي. ورغم ثبوت حدوث تفاعلات serpentinization تولد هيدروجينًا وميثانًا في صخور الوشاح، تؤكد الأدلة الجيوكيميائية الأصل الحيوي للغالبية العظمى من النفط والغاز، ولا دليل على تجدد المخازن بسرعة توازي الاستغلال.

حتى لو تجدد النفط بالوتيرة نفسها، تظل أزمة المناخ قائمة لأن المحدد الحقيقي ليس كمية الاحتياطيات بل سقف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المسموح به لتجنب تجاوز حدود الاحترار العالمي.

من المتانة إلى التقادم المبرمج

يرصد المقال التحول التاريخي: الرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر كانت تقدر المتانة لأن المواد كانت نادرة ومكلفة. نقطة التحول الرمزية كانت اتفاق كارتل "فويبوس" عام 1924 الذي حدد عمر المصباح المتوهج في 1000 ساعة بدلاً من 1500-2000 ساعة، وفرض غرامات على من يصنع مصابيح أطول عمرًا. وفي ثلاثينيات القرن الماضي برز مصطلح "التقادم المبرمج" كاستراتيجية لتحفيز الطلب.

عندما يصبح بيع منتج جديد أربح من إطالة عمر الموجود، تفقد المتانة والإصلاح قيمتهما التجارية، مما يزيد الطلب على المواد وتوليد النفايات، في ما وصفه البابا فرنسيس بـ"ثقافة الإهمال"، وما حلله عالم الاجتماع زيجمونت باومان كـ"حداثة سائلة" تتسم بعدم استقرار الروابط والمسارات الوظيفية.

الانتقال الطاقي بحاجة إلى منطق جديد

يجب أن تصاحب فوائد السيارات الكهربائية المناخية تصميمات متينة، وإمكانية إصلاح، وأنظمة فعالة لإعادة الاستخدام والتدوير، مع تقييم صارم لآثار الاستخراج على المياه والنظم الإيكولوجية والمجتمعات. تغيير مصدر الطاقة يستلزم مراجعة أنماط الإنتاج والاستهلاك، وتوزيع المنافع والأعباء.

نحو "رأسمالية ذكية"

يقترح الكاتبان نموذج "رأسمالية ذكية" تعيد قيمة الكفاءة والمتانة والإصلاح والتدوير، وتدمج التكاليف البيئية والاجتماعية في القرارات الاقتصادية. ذلك يتطلب تسهيل الإصلاح، ومسؤولية المنتجين عن إدارة نهاية العمر الافتراضي، وقواعد شفافة وآليات رقابة تصون المصلحة العامة أمام تركيز القوة الاقتصادية.

كما يمتد التحليل إلى "المدن الذكية" والذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا يمكن أن تجعل الحياة الحضرية أكثر كفاءة، لكنها قد تتحول إلى أداة مراقبة وسيطرة اجتماعية إن غابت الرقابة والمشاركة المدنية. الهدف يجب أن يكون "مدينة إنسانية ذكية" توسع قدرة المواطنين على القرار بدلاً من استبدالها، وهو المنطق ذاته الواجب تطبيقه على الطاقة والاقتصاد.

الخلاصة أن خفض الانبعاثات، وإطالة عمر المنتجات، وضمان المشاركة المدنية يجب أن تشكل أجندة واحدة، لتمكين الناس من تقرير العالم الذي سيسكنونه ويورثونه للأجيال القادمة.

شارك الخبر: