بترو نيوز 24

رئيس مجلس الإدارة: فاطمة الفار

رئيس التحرير: عادل البكل

اسواق الطاقة و الغاز

لبنان في مهب التحولات: قراءة استراتيجية في معادلات الطاقة وأزمات البقاء

لبنان في مهب التحولات: قراءة استراتيجية في معادلات الطاقة وأزمات البقاء
اسواق الطاقة و الغاز · ٠١:١٨:٥١ - الاثنين، ٢ نوفمبر ٢٠٢٦

يواجه لبنان لحظة فارقة تتشابك فيها أزماته الاقتصادية والمالية مع التحولات الجيوسياسية والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، ما يضع البلاد أمام استحقاق وجودي يرتبط بقدرة صياغة استراتيجية بقاء متماسكة. وتؤكد القراءة المتأنية للمشهد أن الأزمة اللبنانية تتجاوز البعد المحلي لتصبح جزءاً من إعادة تشكيل خريطة التوازنات والممرات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بينما تعاني المبادرات الإقليمية وحلول الطاقة المقترحة من شلل بانتظار استقرار الترتيبات الأمنية والسياسية.

مبادرة قطرية للكهرباء معلقة بضمانات أمنية

تمثل المبادرة القطرية لقطاع الكهرباء، المعروفة بالبرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة، محاولة متكاملة لبناء محطتين تعملان بالغاز في دير عمار والزهراني بقدرة إنتاجية عالية، مترافقة مع عقد طويل الأجل لتوريد الغاز المسال وإنشاء وحدة عائمة لتخزينه وتغزيته. وتعتمد المبادرة على آلية التمويل الخاص للحد من الأعباء عن الخزينة العامة، لكنها تظل معلقة بشرط وقف العدوان وتوفير ضمانات حماية أمنية دولية للمنشآت المقترحة.

تنقيب بحري معطل في البلوكين 8 و9

بعد الجمود الذي طرأ على البلوك رقم 9 عقب النتائج غير التجارية لبئر قانا، اتجه الرهان الاستراتيجي نحو البلوك رقم 8 المحاذي للحدود الجنوبية بموجب رخصة استكشاف ممنوحة لائتلاف شركات توتال إنيرجيز وإيني وقطر للطاقة. ورغم تحديد جدول زمني للمسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد وتقييم الهياكل الجيولوجية، يتلقى هذا المسار ضربة قاسية بفعل تصنيف المياه الجنوبية كمنطقة عمليات عسكرية، مما يحرم الشركات العالمية من إرسال منصات الحفر أو إتمام مراحل التقييم.

خسائر هيكلية وتهديد للموقع اللوجستي

تظهر التداعيات الاقتصادية المباشرة للعدوان المستمر حجم الخسائر الهيكلية الناجمة عن استهداف البنى التحتية، والانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع الأنشطة الاقتصادية والخدمية. وينعكس ذلك على تصاعد كلفة المخاطر المالية وتعطيل الشراكات الدولية، فضلاً عن تهديد موقع لبنان اللوجستي وخطر تحوله من نقطة تواصل تجاري إلى منطقة معزولة خارج ممرات النقل الإقليمية.

مسار عراقي واعد وامتدادات لخط الغاز العربي

تبرز الدبلوماسية اللبنانية ضرورة التحرك لتأمين شراكات إقليمية، فيأتي التعاون مع العراق كأحد أكثر المسارات فاعلية عبر اتفاقيات توريد الوقود لتشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب العرض اللبناني لتحويل منشآت طرابلس إلى مصب وممر لتصدير النفط العراقي باتجاه المتوسط. وتتوازى الجهود مع تفعيل الامتدادات الإقليمية لخط الغاز العربي عبر مصر وسوريا، والبحث عن استثناءات دولية تدعم الشراكة مع الخليج وتركيا لإعادة تأهيل المرافق الحيوية.

سياسة نقدية صارمة وذهب مجمد

على صعيد السياسة النقدية، يتبنى مصرف لبنان المركزي دوراً تقييدياً صارماً لحماية ما تبقى من احتياطيات العملات الأجنبية، عبر الوقف الكامل لتمويل الإنفاق الحكومي بالعملات الصعبة، مما أسهم في الحد من الانهيار النقدي والحفاظ على استقرار شكلي لسعر الصرف. وتكتسب ثروة الذهب المجمدة أهمية خاصة كخط دفاع استراتيجي، إذ يحمي الحظر القانوني الصادر عام 1988 هذا الاحتياطي من محاولات الاستغلال دون تشريع استثنائي.

ديون نفطية متراكمة واشتراطات دولية

تبقى الإجراءات النقدية قاصرة عن تحقيق تعافٍ حقيقي دون حل المعضلات المتراكمة، وعلى رأسها قضية الديون النفطية المتراكمة لصالح العراق والتي تخطت المليار دولار. ويعبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن موقف حذر، إذ يعتبران الفائض المالي المحقق دفترياً لا يعبر عن تعافٍ هيكلي، ويصنفان الاقتصاد بالهش والمعرض للانكماش، مشترطين إصلاحات تشريعية ومصرفية وضريبية شاملة قبل أي برامج تمويلية.

الجيش اللبناني عنصر محوري في الحسابات الدولية

يُعد الجيش اللبناني العنصر المحوري والمؤسسة الضامنة الموثوقة في الحسابات الدولية والإقليمية لإدارة متطلبات التهدئة والإشراف على المساعدات ومراقبة المعابر الحيوية. بيد أن هذا التوسع اللوجستي يواجه قراءات متباينة لدى القوى السياسية الداخلية؛ فبينما تدعم قوى المعارضة تعزيز صلاحيات الجيش كمدخل لبسط سيادة الدولة، تبدي قوى أخرى حذراً من محاولات الالتفاف على المؤسسات الرسمية أو توظيف المساعدات لفرض شروط خارجية، وتبرز تحفظات من أن يؤدي تهميش دور الوزارات والرقابة البرلمانية لصالح الصناديق الائتمانية العسكرية إلى إضعاف آليات العمل المؤسسي.

الحاجة لتسوية شاملة ورؤية سيادية

تؤكد الخلاصة الاستراتيجية أن لبنان استنفد أثر المسكنات والحلول الجزئية، وأن قدرته على البقاء مرهونة بتحقيق تسوية أمنية وسياسية شاملة تنهي أسباب النزاع وتؤمن بيئة استقرار مستدامة، تنتقل بالبلاد من السياسات المحاسبية الضيقة إلى رؤية سيادية متكاملة تضمن حماية المقومات الوطنية وتفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الدولية.

شارك الخبر: