لم تعد إفريقيا ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، بل باتت طرفًا رئيسيًا في معادلة الاقتصاد والسياسة والطاقة والغذاء عالميًا. وفي هذا الإطار، جاءت القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، لتؤكد أن مستقبل العلاقات بين الجانبين يرتبط بقدرة الطرفين على بناء شراكات اقتصادية وتنموية تخدم مصالح الشعوب.
مصر شريك محوري في ربط روسيا بالأسواق الإفريقية
حضرت مصر برؤية تتجاوز التعاون الثنائي مع موسكو، لتطرح نفسها شريكًا محوريًا في ربط روسيا بالأسواق الإفريقية، مستندة إلى موقعها الجغرافي ومشروعاتها الاستراتيجية وشبكة علاقاتها داخل القارة. وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي ضرورة الانتقال من التفاهمات السياسية إلى مشروعات ملموسة، واحترام الأولويات الإفريقية، وتحويل القارة من مصدر للمواد الخام إلى قاعدة إنتاجية وصناعية قادرة على المنافسة.
خمسة محاور للتنمية حددها الرئيس السيسي
حدد الرئيس خمسة محاور للتنمية تشمل: الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، وزيادة التجارة البينية، والتعاون في الطاقة والربط الكهربائي، والأمن المائي والغذائي، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. وتعكس هذه المحاور حاجة القارة إلى امتلاك أدوات الإنتاج والتكنولوجيا بدلًا من الاكتفاء بتصدير ثرواتها الطبيعية.
مشروعان استراتيجيان عنوان للشراكة مع روسيا
تجسد الرؤية المصرية في مشروعين استراتيجيين: أولهما محطة الضبعة للطاقة النووية، التي تضم أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات، وتدعم إنتاج الكهرباء ونقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر وتعزيز أمن الطاقة. وثانيهما المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تستهدف جذب الاستثمارات وتوطين الصناعات والاستفادة من موقع القناة للوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، بما يتيح الانتقال من تبادل السلع إلى الإنتاج المشترك وتوفير فرص العمل.
مجالات تعاون واسعة وأرقام تجارية متنامية
تشمل مجالات التعاون الزراعة والحبوب والأسمدة، والنقل والسكك الحديدية، والطاقة، والسياحة، والصناعات الدوائية والتكنولوجية. وبلغ التبادل التجاري بين القاهرة وموسكو نحو 4.91 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بزيادة 22.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، غير أن ارتفاع الواردات المصرية يفرض ضرورة زيادة الصادرات وتوسيع دخول المنتجات المصرية إلى السوق الروسية.
نتائج القمة وإطار مستقبلي للتعاون
تضمنت نتائج القمة اعتماد الإعلان الختامي، وإعلانًا للتعاون في الاستخدام المدني لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، وخطة عمل منتدى الشراكة الروسية الإفريقية للفترة 2027-2029. كما تناولت كلمة الرئيس السيسي الأبعاد السياسية والأمنية، داعية إلى إصلاح النظام الدولي وتعزيز تمثيل إفريقيا في المؤسسات الدولية ومجلس الأمن، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها، والتحذير من عسكرة البحر الأحمر.
تحديات تواجه الشراكة واختبارات عملية للنجاح
يواجه الطريق أمام الشراكة تحديات أبرزها التوترات الدولية والعقوبات المفروضة على روسيا، وصعوبة التمويل وسلاسل الإمداد، وحاجة المشروعات الكبرى إلى ضمانات وجداول زمنية واضحة. كما يتطلب النجاح معالجة اختلال الميزان التجاري، وضمان نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة. ولن يقاس نجاح القمة بحجم التفاهمات، بل بتحويلها إلى نتائج ملموسة من مشروعات دخلت حيز التنفيذ، وفرص عمل أُنشئت، وتكنولوجيا انتقلت، وصادرات زادت، وقيمة مضافة بقيت داخل القارة.



