كشفت دراسة تحليلية شملت 20 مشروعاً للطاقة الشمسية والرياح في الخارج، نفذتها أو مولتها شركتا "مصدر" الإماراتية و"أكوا باور" السعودية بين عامي 2013 و2026، أن استثمارات دول الخليج في الطاقة المتجددة خارج حدودها لا تتبع نموذجاً واحداً، بل تنقسم إلى مسارين واضحين: مشاريع ممولة بمساعدات حكومية، وأخرى تجارية بحتة.
نموذج المساعدات: محطات صغيرة للجزر والدول النامية
أظهرت الدراسة أن 13 من أصل 20 مشروعاً مولتها الحكومة الإماراتية عبر منح أو قروض ميسرة، معظمها من صندوق أبوظبي للتنمية، حيث تولت "مصدر" دور المطور نيابة عن الحكومة. شمل هذا المسار صندوقين بقيمة 50 مليون دولار لكل منهما لمنطقة المحيط الهادئ ومنطقة الكاريبي، مولوا محطات صغيرة معظمها شمسية في دول مثل ناورو، كيريباتي، فانواتو، ميكرونيزيا، باربادوس، وجزر البهاما. وتتراوح قدرات هذه المحطات تحت 2.5 ميغاواط، وهي صغيرة بمعايير الصناعة لكن ذات أثر كبير على شبكات الجزر.
كما شملت مشاريع المساعدات محطات أكبر في مصر وموريتانيا، ومحطة شمسية بقدرة 5 ميغاواط في سيشل بتمويل قرض ميسر. وتبرر هذه الاستثمارات بتوفير تكاليف الديزل المستورد الذي تعتمد عليه الجزر في توليد الكهرباء، حيث قدرت "مصدر" أن خمسة مشاريع في المحيط الهادئ أعلنت عام 2014 ستوفر معاً أكثر من 1.2 مليون لتر ديزل سنوياً.
النموذج التجاري: حصص في مزارع رياح كبرى وأسواق ناضجة
المشاريع السبعة المتبقية كانت صفقات تجارية. استحوذت "مصدر" على 20% من مزرعة "لندن آراي" البحرية بقدرة 630 ميغاواط، وعلى 35% من مزرعة "دوجيون" قبالة سواحل نورفولك البريطانية عام 2014 بنحو 525 مليون جنيه إسترليني، كما اشترت حصصاً في مزارع رياح قائمة في الجبل الأسود والولايات المتحدة. واختارت الشركة أسواقاً ذات أهداف واضحة للطاقة المتجددة وبرامج شراء وطنية، مثل بريطانيا التي تُعد سوقاً رئيسية لطاقة الرياح البحرية.
من جانبها، اتبعت "أكوا باور" نموذجاً تجارياً يدمج الطاقة الشمسية مع التخزين. مشروع "طشقند ريفرسايد" في أوزبكستان يجمع محطة شمسية 200 ميغاواط مع بطارية 500 ميغاواط/ساعة، بقيمة إجمالية 533 مليون دولار، وجذب تمويلاً من 6 مقرضين دوليين بينهم البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير والبنك الإسلامي للتنمية. وفي جنوب أفريقيا، تملك الشركة 20.04% من محطة "بوكبورت" الحرارية الشمسية التي تخزن الحرارة لتسع ساعات، وتبيع الكهرباء للمرافق الوطنية "إسكوم" بعقد 20 عاماً.
أنماط واضحة: التكنولوجيا تتبع التمويل
أظهرت المقارنة أن الطاقة الشمسية هيمنت على 15 مشروعاً من الـ20، وظهرت في جميع مشاريع المساعدات تقريباً، بينما اقتصرت حصص "مصدر" الأسارية الأربعة على مزارع الرياح. وتكررت حجة ارتفاع تكاليف الوقود المستورد في 11 وصف مشروع، وجميعها في مسار المساعدات، بينما اتجهت الصفقات التجارية إلى دول لديها أهداف وطنية واضحة مثل أوزبكستان التي تستهدف 40% من الكهرباء من المتجددة بحلول 2030.
شراكات حكومية ودور استراتيجي مشترك
العامل المشترك بين المسارين أن الشركتين مدعومتان حكومياً: "مصدر" مملوكة لكيانات حكومية في أبوظبي، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي هو أكبر مساهم في "أكوا باور". كما أن كل المشاريع نُفذت عبر شراكات مع صناديق تنمية أو مطورين مشاركين أو بنوك دولية.
تهدف هذه الاستثمارات المعلنة إلى خفض تكلفة الكهرباء، تحسين الوصول للطاقة، وتقليل الانبعاثات. وتضيف مشاريع المساعدات بُعداً دبلوماسياً يتمثل في بناء شراكات طويلة الأمد مع دول صغيرة، وهو ما تحدث عنه مسؤولون إماراتيون علناً، وربطه باحثون باستراتيجية التنويع الاقتصادي طويلة المدى للخليج.
الهند كنموذج يجمع المسارين
رغم عدم شمول الهند في عينة الدراسة، إلا أنها تناسب النمط التجاري بتوفر هدف وطني (500 جيجاواط قدرة غير أحفورية بحلول 2030) ومزادات شراء ضخمة. استثمرت "مصدر" عام 2019 نحو 150 مليون دولار في شركة "هيرو فيوتشر إنرجيز" الهندية للطاقة الشمسية والرياح، وهي حصة في شركة لا في مشروع واحد. كما تشارك الهند في النموذج التنموي عبر تأسيسها لتحالف الطاقة الشمسية الدولي وشراكاتها مع دول نامية وجزرية، واتفاق ثلاثي مع فرنسا والإمارات للتعاون في مشاريع طاقة بدول ثالثة، مما قد يدمج تمويل الخليج، تصنيع الهند، وخبرة "مصدر" في محطات الجزر الصغيرة.
استنتاج: استراتيجيتان لا إطار واحد
تخلص الدراسة إلى أن استثمارات الخليج في المتجددة بالخارج تمثل استراتيجيتين مختلفتين، كل منهما مصممة لاحتياجات الدول المستضيفة: منح لاستبدال الديزل في جزر نائية، وحصص أسهم في أسواق رياح ناضجة. التعامل معها كإطار واحد يخفي الفارق بين الاستثمار التنموي والتجاري. معاً، تظهران أن دول الخليج توظف خبرتها الطاقية وقوتها المالية وراء طاقة أنظف وأكثر موثوقية، من شبكات جزرية صغيرة إلى كبرى أسواق الرياح عالمياً، في دور يكمل موقعها التقليدي في صناعة الوقود الأحفوري بدلاً من استبداله فوراً.



