تشهد أسواق الغاز الطبيعي العالمية ديناميكيات معقدة مع تسارع تحول الطاقة، حيث تدفع الأسعار المرتفعة العديد من الدول نحو مصادر بديلة، بينما يتمسك كبار المصدرين بتوقعات طلب طويلة الأجل مدعومة بالنمو الصناعي وتوسع الذكاء الاصطناعي.
أسعار مرتفعة تعيد تشكيل مزيج الكهرباء
أدت اضطرابات إمدادات الغاز المسال من الشرق الأوسط هذا العام إلى رفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، ما زاد تكاليف الاستيراد وضغط على الاقتصادات المعتمدة على الوقود. وردت دول أوروبية وآسيوية بزيادة حصة الطاقات المتجددة والفحم في توليد الكهرباء لتقليل الاعتماد على الغاز المستورد المكلف، وأعادت الحكومات تقييم استراتيجياتها الأمنية للطاقة كما حدث خلال أزمة 2022-2023.
تراجع حصة الغاز في التوليد الكهربائي
وفقًا لبيانات شركة "إيمبر" للأبحاث، انخفضت حصة الغاز في توليد الكهرباء في أسواق رئيسية تشمل المملكة المتحدة، هولندا، تركيا، الصين، اليابان، وكوريا الجنوبية. وفي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، تسارع التحول نحو الرياح والطاقة الشمسية بعد توقف إمدادات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب عام 2022، ليحل الغاز تدريجيًا دور المصدر المرن الداعم للطاقات المتجددة المتقطعة بدلاً من كونه المصدر الأساسي.
الطلب المطلق لا يزال ينمو ببطء
رغم تراجع الحصة النسبية للغاز في مزيج الكهرباء العالمي لخمس سنوات متتالية حتى 2025، إلا أن الإنتاج المطلق من محطات الغاز لا يزال في ارتفاع طفيف. في المقابل، غطت الطاقات النظيفة - بقيادة الرياح والشمس - نحو 68% من الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء خلال نفس الفترة. وتجاوزت 61 دولة من أصل 124 تستخدم الغاز في التوليد ذروة إنتاجها من هذا المصدر، غير أن هذه المجموعة لا تمثل سوى 20% من إجمالي التوليد الغازي العالمي، ما يبقي الاقتصادات الكبرى محورية في تحديد المسار المستقبلي.
الصين والهند والبرازيل: مسارات متباينة
في الصين، من المتوقع أن تستقر حصة الغاز في التوليد حول 3% عام 2025 رغم النمو السريع في الطلب على الكهرباء. وتعتمد الهند والبرازيل بشكل محدود على محطات الغاز لتلبية احتياجاتهما المتزايدة، معززتين دور الطاقات المتجددة ومصادر أخرى.
القطاع الصناعي والذكاء الاصطناعي محركان جدد
يبقى الغاز الطبيعي مادة خام حيوية في صناعات الصلب، الأسمنت، الأسمدة، والكيماويات، ويدخل في سلاسل توريد البلاستيك، الألياف الصناعية، والأدوية. ويضيف النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي محرك طلب جديد: مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، وتعتبر عدة اقتصادات - منها الولايات المتحدة وأسواق آسيوية - الغاز خيارًا موثوقًا لتوسيع قدرات التوليد بسرعة، مكملًا للطاقات المتجددة المتقلبة.
تفاؤل المصدرين الكبار على المدى الطويل
تحافظ كبرى شركات الغاز المسال على تفاؤلها طويل الأجل. تتوقع "شل" في تقرير "آفاق الغاز المسال 2026" أن يصل الطلب العالمي إلى نحو 700 مليون طن سنويًا بحلول 2050، بزيادة 65% عن مستويات 2025 البالغة 422 مليون طن. وترى الشركة أن الطلب القوي في جنوب وجنوب شرق آسيا سيكون المحرك الرئيسي، رغم أن التوترات في مضيق هرمز تعيق النمو قصير الأجل. وأكد سيديريك كريميرز، رئيس قسم الغاز المتكامل في "شل"، مرونة القطاع أمام صدمات السوق، مشددًا على الحاجة لمزيد من الاستثمار في البنية التحتية على جانبي العرض والطلب.
مستقبل معلق بين متغيرين
سيرسم مستقبل الغاز الطبيعي توازن بين اتجاهين: من جهة، الأسعار المرتفعة ومخاطر انقطاع الإمداد تدفع الدول للاستثمار في الطاقات المتجددة، كفاءة الطاقة، وتنويع المصادر. ومن جهة أخرى، الطلب المتصاعد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، النشاط الصناعي، والتنمية الاقتصادية في الأسواق الناشئة يخلق إمكانات نمو مستمرة للغاز المسال. الأزمة الحالية ليست كافية لاستنتاج تراجع دائم في الطلب، لكن الصدمات المتتالية تجبر الحكومات والشركات على الموازنة بدقة أكبر بين التكلفة، أمن الإمداد، وأهداف خفض الانبعاثات.



